مدونة المعهد

السلطوية الناعمة

محمد مصباح

 

بعد انهيار حائط برلين تراجع أو تلاشى الدعم التي كانت تتلقاه الأنظمة المرتبطة بالمعسكر الاشتراكي وأصبحت الديمقراطية الليبرالية نموذجا مفضلا لعدد من الدول التي ترغب في الحصول على الدعم السياسي والمالي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

تعاملت الأنظمة السلطوية عبر العالم مع هذه التحولات من خلال ثلاث أنواع من الاستجابات: الأولى هو التحول الكامل نحو الديمقراطية كما حصل في التسعينات عندما دخلت العشرات من الدول إلى نادي الديمقراطية في إطار ما سمي بالموجة الثالثة للديمقراطية، لا سيما في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. النوع الثاني هو استدامة السلطوية كما حصل في عدد من الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وسوريا وليبيا (قبل الربيع العربي) التي لم تتأثر كثيرا بموجة التحولات الديمقراطية. وأخيرا نموذج السلطوية الناعمة، أو الأنظمة الهجينة. وهو النموذج الذي يهمنا هنا.

فلضمان مكان لها في ظل هذه التحولات العالمية، تكيفت بعض الانظمة السلطوية مع المتطلبات الجديدة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. ومن هنا عملت على تنظيم الانتخابات بشكل دوري وفتحت المجال أمام الصحافة المستقلة وأفرجت عن المعتقلين السياسيين وغيرها من الإجراءات التنافسية التي عملت على امتصاص الضغوط الداخلية والخارجية.

هذه المرونة النسبية والقدرة على التكيف هي التي تميز الأنظمة السلطوية الناعمة عن كل من الأنظمة الديمقراطية وعن السلطويات القاسية. فهي نوع قائم بذاته من الأنظمة السياسية تتميز بكونها تمزج بين الديمقراطية والاستبداد وتظهر بالنسبة للمتتبعين من الخارج على أنها ديمقراطية أكثر من كونها ديكتاتورية وهذا لأنها تمتلك مؤسسات ديمقراطية من حيث الشكل، وتقوم بإجراء الانتخابات دورية بالحد الأدنى من التنافسية والنزاهة وهو ما يجعل من مهمة وصفها سلطوية أمرا صعبا.

لماذا؟

لأن الأنظمة السلطوية الشاملة تغلق جميع قنوات التواصل والتعبير للمعارضة السياسية وتقمعها بشكل شرس، كما أنها لا تسمح بالتنافس الانتخابي وإن نظمت الانتخابات فإن نتائجها تكون معروفة سلفا ولا تعدو أن تكون “مسرحية” للاستهلاك الخارجي مثلما كان يحصل أيام بنعلي ومبارك، أو حتى مؤخرا مع عبد الفتاح السيسي.

بالنسبة للأنظمة السلطوية الناعمة، المسألة أكثر تعقيدا. فهي تسهر على تنظيم الانتخابات بشكل دوري والتي تكون غالبا تنافسية ويمكن للمعارضة تقديم مرشحيها كما أن التزوير المباشر (أي تغيير نتائج الصناديق بشكل فج) يكون محدودا. ولكن مع ذلك فالانتخابات ليست حرة ونزيهة.

كيف ذلك؟

أولا لأن السلطوية الناعمة تقوم بالتحكم القبلي في نتائج الانتخابات بشكل أنيق عبر هندسة متطورة للوائح والتقطيع الانتخابي بشكل يخدم أصحاب النفوذ الذي ترغب السلطة وصولهم للبرلمان والمجالس المنتخبة. ثانيا: يتم اللجوء إلى ترهيب مرشحي المعارضة ومراقبي الانتخابات. ثالثا: تقوم الإدارة الترابية بتقديم الدعم اللوجستيكي والمعنوي للمرشحين المفضلين للسلطة عبر تعبئة الاعيان المحليين والنخب الاقتصادية لدعم مرشحين بعينهم.

بهذه الطرق تضمن السلطوية الناعمة نجاح الفئات التي تدعمها من دون أن تقوض العملية الانتخابية برمتها وتجعلها فاقدة للمعنى كما هو الحال في الأنظمة السلطوية القاسية، ولكنها في الوقت نفسه ليست حرة ونزيهة لأن أدوات التحكم السابقة واللاحقة تفرغ نتائج الانتخابات من مضمونها.

هل هذا المسار هو مرحلي وضروري للوصول للديمقراطية؟

ليس ضروريا. لأنه مسار التاريخ ليس بالضرورة خطيا. فتجارب الدول تظهر أنه يمكن للأنظمة السلطوية أن تتحول نحو الديمقراطية بشكل كامل كما يمكنها أن تأبد من ممارساتها السلطوية من دون أن يحصل التحول نحو الديمقراطية. كما يمكنها في أسوأ الأحوال أن تتحول إلى ديكتاتورية شاملة. إذن كل الاحتمالات واردة. العامل الخارجي قد يساعد أو يعرقل في التحول الديمقراطي ولكنه ليس العامل الحاسم. العامل الأساسي هو الضغط من أسفل وإلحاح المواطن على تحقيق مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.


المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.



القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشورات المعهد من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ينظمها المعهد، المرجو التسجيل في القائمة البريدية.