رغم التقدم الملموس في تعميم الحماية الاجتماعية، لا يزال قطاع واسع من المواطنين خارج نطاق الاستفادة الفعلية، بسبب ضخامة الاقتصاد غير المهيكل. وتكشف هذه المفارقة البنيوية عن فجوة جوهرية بين الإطار القانوني والواقع الاقتصادي، مما يطرح تحديات جديدة تخص الإنصاف والاستدامة.
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة إشكالية إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل ضمن ورش الحماية الاجتماعية في المغرب، في ظل التحول نحو نموذج الدولة الاجتماعية الذي أرساه القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية. ورغم التقدم الذي تحقق في تنزيل برنامج الحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى تعميم التأمين الإجباري عن المرض، فإن هذا التوسع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المنظومة الحالية على إدماج فئات واسعة من العاملين خارج الاقتصاد المنظم.
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن محدودية إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل لا ترتبط فقط بغياب التغطية القانونية، بل تعكس مجموعة من العوائق البنيوية المرتبطة بطبيعة الاقتصاد غير المهيكل وبمحدودية الاندماج المؤسسي والجبائي لهذه الفئة. ومن خلال تحليل الإطار القانوني للحماية الاجتماعية، ودراسة موقع الاقتصاد غير المهيكل في تنزيل هذا الورش، والوقوف عند العوامل البنيوية التي تعيق إدماجه، تسعى الورقة إلى إبراز حدود المقاربة الحالية للإدماج الاجتماعي.
وتخلص الورقة إلى أن تحقيق إدماج فعلي ومستدام للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل يقتضي الانتقال من منطق توسيع التغطية الاجتماعية إلى مقاربة إصلاحية شمولية تربط الحماية الاجتماعية بسياسات أوسع للهيكلة الاقتصادية، وتعزز في الوقت نفسه الاستدامة المالية للمنظومة، بما يسمح بتحقيق توازن بين أهداف العدالة الاجتماعية ومتطلبات الفعالية الاقتصادية.
المقدمة
شكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية في المغرب لحظة مفصلية في مسار بناء الدولة الاجتماعية، ليس فقط لأنه يوسّع نطاق الحقوق الاجتماعية، ولكن لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والعمل والضمان في سياق اقتصادي تتداخل فيه أشكال التنظيم واللاتنظيم. فبعد عقود من هيمنة نموذج قائم أساسًا على حماية الأجراء النظاميين، انتقل المغرب إلى تبني مقاربة تعميمية تروم إدماج مجموع المواطنين ضمن منظومة موحدة للحماية من المخاطر بموجب القانون الإطار رقم 09.21.
غير أن هذا التحول الطموح يتقاطع مع واقع بنيوي معقد يتمثل في الثقل الكبير للاقتصاد غير المهيكلداخل سوق الشغل الوطني. فجزء معتبر من النشيطين يمارسون أنشطتهم خارج إطار التصريح الرسمي، ودون ارتباط مؤسساتي منتظم بأجهزة الجباية أو الضمان الاجتماعي. ويعني ذلك أن ورش التعميم لا يواجه فقط تحديًا تقنيًا في توسيع التغطية، بل يواجه سؤالاً هيكليًا يتعلق بقابلية إدماج فئة واسعة يطبع نشاطها عدم الاستقرار والتقلب وضعف الارتباط الإداري.
انطلاقًا من هذا المعطى البنيوي، يتضح أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية لا يمكن تقييمه فقط من زاوية نسب التغطية أو توسع الاستفادة، بل ينبغي تحليله في ضوء طبيعة الاقتصاد الذي يُراد إدماجه داخل المنظومة. فالثقل الكبير للاقتصاد غير المهيكل داخل سوق الشغل يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى ملاءمة الإطار القانوني والمؤسساتي القائم لاحتواء أنماط عمل غير مستقرة، ومداخيل غير منتظمة، وعلاقات إنتاج ضعيفة الارتباط بالتصريح والجباية. ومن هنا، يصبح تفكيك الهندسة القانونية والمؤسساتية لورش التعميم مدخلًا أوليًا لفهم حدود الإدماج قبل الانتقال إلى تقييم رهانات الإصلاح والاستدامة.
وتأسيسًا على ذلك، تتوزع هذه الورقة على ثلاثة محاور مترابطة. يتناول المحور الأول الإطار القانوني والمؤسساتي للحماية الاجتماعية من خلال تحليل الطموح المعياري الذي يحمله القانون-الإطار رقم 09.21 وحدود أدوات الإدماج التي يعتمدها فيما يتعلق بالعاملين في القطاع غير المهيكل. أما المحور الثاني فيقف عند موقع الاقتصاد غير المهيكل في مسار تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، عبر قراءة في المعطيات والمؤشرات المرتبطة ببنيته ووزنه داخل الاقتصاد الوطني. بينما يخصص المحور الثالث لتحليل عوائق ومداخل إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية.
1. الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع غير المهيكل
يُعدّ تعميم الحماية الاجتماعية أحد أهم التحولات التي عرفتها السياسات الاجتماعية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب حجمه المالي والمؤسساتي، بل أيضًا بسبب ما يحمله من رهانات تتجاوز توسيع التغطية إلى إعادة تعريف موقع الدولة في مجال الحماية الاجتماعية.
- سياق إنتاج القانون-الإطار 09.21: من هشاشة منظومة الحماية إلى خيار التعميم
لم يكن اعتماد القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية سنة 2021 مجرد إصلاح قطاعي معزول، بل جاء في سياق تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة كشفت عنها جائحة كوفيد-19 بكيفية حادة وغير مسبوقة. فقد أبرزت الأزمة حدود النموذج السابق للحماية الاجتماعية بالمغرب، وهو نموذج اتسم، لعقود، بتعدد البرامج وتشتت المتدخلين وضعف الالتقائية بين السياسات، كما ظلت فعاليته محدودة في تأمين حماية شاملة للفئات الأكثر هشاشة، خاصة العاملة خارج القطاع المنظم[1].
وقد اتضح خلال الجائحة أن الفئات الأكثر تضررًا من توقف النشاط الاقتصادي لم تكن فقط الفئات الفقيرة بالمعنى التقليدي، بل أيضًا فئات واسعة من العاملين في الاقتصاد غير المهيكل، ممن يزاولون أنشطة يومية أو موسمية دون عقود، ودون تغطية صحية، ودون أي آلية مؤسسية لحماية دخلهم عند توقف العمل[2]، وهذا ما جعل الجائحة لا تكشف فقط عن هشاشة اجتماعية ظرفية، بل عن هشاشة بنيوية مرتبطة بطبيعة سوق الشغل المغربي نفسه، حيث يشتغل جزء مهم من القوة العاملة خارج منطق التصريح والاقتطاع والاشتراك المنتظم.
وفي هذا السياق، لم يعد إصلاح الحماية الاجتماعية يُقدَّم باعتباره مجرد خيار اجتماعي، بل تحول إلى ضرورة سياسية ومؤسساتية[3]. فالجائحة سرعت الاقتناع الرسمي بضرورة الانتقال من برامج اجتماعية جزئية، يغلب عليها البعد الانتقائي أو الإحساني، إلى منظومة أكثر شمولًا وقدرة على امتصاص الصدمات. وقد ارتبط ذلك أيضًا بتقاطع ورش الحماية الاجتماعية مع مراجعة النموذج التنموي، ومع الاعتراف، في الخطابات الرسمية، بعجز النموذج السابق عن إدماج فئات واسعة من المغاربة في دينامية التنمية[4].
ومن خلال هذه الزاوية، يمكن القول إن القانون-الإطار 09.21 جاء نتيجة تراكم ثلاثة مستويات من الضغط: ضغط الأزمة الصحية التي كشفت هشاشة الفئات غير المحمية، وضغط التقييم النقدي للسياسات الاجتماعية السابقة التي اتسمت بالتشتت وضعف الأثر، وضغط الالتزامات الدستورية والدولية التي تجعل من الحماية الاجتماعية حقًا لا مجرد امتياز لفئات منظمة. غير أن هذا السياق نفسه يطرح منذ البداية سؤالًا نقديًا: هل انتقل المغرب فعلًا من منطق البرامج الاجتماعية المجزأة إلى منطق منظومة مندمجة، أم أن القانون-الإطار ظل، رغم أهميته، إعلانًا قويًا عن الشمول دون أن يحسم بالكامل في الأدوات الخاصة بإدماج الاقتصاد غير المهيكل؟ هذا السؤال هو ما يجعل تحليل القانون لا يقف عند أفقه السياسي المعلن، بل يتجاوز ذلك إلى تقييم مدى ملاءمة أدواته لواقع سوق شغل غير منظم في جزء واسع منه.
- حدود الإطار القانوني في إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل
رغم الأهمية التي يكتسيها القانون-الإطار 09.21 باعتباره خطوة أساسية نحو بناء دولة اجتماعية أكثر شمولًا، فإن قراءة نقدية لهذا النص تكشف عن حدود بنيوية قد تعيق إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية.
أولى هذه الحدود تتعلق بضيق مفهوم الحماية الاجتماعية في التطبيق الوطني مقارنة بالإطار المعياري الدولي. فبينما تؤكد المرجعيات الدولية، خاصة الاتفاقية 102 والتوصية 202 لمنظمة العمل الدولية، على الشمول وعدم التمييز وضرورة إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل ضمن أرضيات الحماية الاجتماعية[5]، أما النموذج المغربي فيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمنطق الاشتراك المهني والاستهداف المشروط. صحيح أن الخطاب القانوني المغربي يعلن الشمول، لكن أدوات التفعيل تظل مبنية، في جزء مهم منها، على افتراض وجود دخل منتظم وقابل للتصريح، وهو شرط لا يتوفر لدى جزء واسع من العاملين في القطاع غير المهيكل.
أما الحد الثاني فيتمثل في ضعف إدماج بعض الفئات المهنية غير المنظمة إدماجًا فعليًا. فالنص القانوني يتحدث عن تعميم واسع، لكنه لا يفصل بما يكفي في خصوصيات الباعة المتجولين، والعمال العرضيين، والأنشطة الصغيرة جدًا، والفئات الموسمية، وهي كلها فئات يصعب إخضاعها للمساطر التقليدية للتسجيل وأداء الاشتراكات. وهنا يظهر بوضوح أن التوسع التشريعي لا يعني تلقائيًا توسعًا فعليًا في الحماية، لأن إشكال الإدماج ليس فقط إشكال “فتح الباب”، بل أيضًا إشكال القدرة على الولوج والاستمرار[6].
ويتعلق الحد الثالث بالتوتر بين الطموح الاجتماعي ومتطلبات التوازن المالي. فالكلفة الإجمالية لتعميم الحماية الاجتماعية قُدِّرت، في الوثائق الرسمية، بحوالي 51 مليار درهم سنويًا، موزعة بين تمويل قائم على الاشتراك وتمويل تضامني يغطي الفئات غير القادرة على المساهمة[7]وهذا يعني أن المنظومة، لكي تكون مستدامة، تحتاج إلى توسيع القاعدة التمويلية بالتوازي مع توسيع قاعدة المستفيدين. غير أن المشكلة تكمن في أن الاقتصاد غير المهيكل، الذي يُراد إدماجه، هو نفسه مجال يصعب فيه التصريح والاقتطاع والتحصيل. ومن ثم، فإن إدماج هذه الفئة لا يطرح سؤال الشمول الاجتماعي فقط، بل يطرح أيضًا سؤال من يدفع، وكيف، وبأي قدر من الاستمرارية.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية المقارنة الدولية. فالتقارير الدولية تؤكد أن الاقتصادات التي وسعت التغطية الاجتماعية دون إصلاح موازٍ لمنظومة الحكامة والتمويل واجهت صعوبات حقيقية على مستوى الاستدامة وتزايد العجز. ولذلك فإن الحديث عن الشمول في الحالة المغربية لا يمكن أن ينفصل عن سؤال العدالة التمويلية والعدالة الجبائية. بل إن بعض القراءات النقدية[8] ذهبت إلى أن الخطر لا يكمن فقط في ضعف التمويل، بل في احتمال أن يتحول توسيع الحماية إلى إعادة ترتيب للإنفاق العمومي دون معالجة عميقة لبنية الاقتصاد غير المهيكل أو لاختلالات النظام الضريبي[9].
الحد الرابع يتعلق بالفجوة بين النص القانوني والتنزيل الفعلي. فالتقارير الوطنية تكاد تجمع على أن المنظومة السابقة اتسمت بتعدد البرامج، وضعف التنسيق، وتعقد المساطر، وضعف مساهمة الجماعات الترابية، واختلالات الاستهداف. وإذا كان القانون-الإطار قد جاء لتجاوز هذه الأعطاب، فإن نجاحه يظل رهينًا بقدرة الحكامة التنفيذية على إعادة بناء الالتقائية بين البرامج والمؤسسات، لا الاكتفاء بتوسيع النصوص[10].
وفي النهاية، يتضح أن الفجوة بين النص القانوني والتنزيل الفعلي للحماية الاجتماعية لا تعكس صعوبات تقنية أو إدارية فقط، بل ترتبط بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي يتميز بها سوق الشغل المغربي، حيث يشكل الاقتصاد غير المهيكل مجالًا واسعًا للنشاط الاقتصادي يصعب إخضاعه للأنماط التقليدية للتنظيم الاجتماعي والجبائي. لذلك، فإن نجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية يظل رهينًا بمدى قدرة السياسات العمومية على تطوير آليات إدماج تدريجية ومرنة تسمح بربط العاملين في القطاع غير المهيكل بمنظومة الحماية الاجتماعية دون الإخلال بتوازنها المالي، ودون إفراغ مبدأ الشمول من مضمونه الحقوقي.
2. الحماية الاجتماعية والاقتصاد غير المهيكل: واقع الحال
لا يمكن فهم تحديات تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية في المغرب دون الوقوف عند موقع الاقتصاد غير المهيكل داخل البنية الاقتصادية وسوق الشغل. فبالرغم من الطموح التشريعي الذي يحمله القانون-الإطار رقم 09.21، يظل إدماج العاملين في هذا القطاع رهيناً بخصوصياته البنيوية، وبالتحديات المرتبطة بآليات الاستهداف والتمويل داخل المنظومة الاجتماعية.
- الوزن البنيوي للاقتصاد غير المهيكل
يُشكِّل الاقتصاد غير المهيكل أحد المكونات البنيوية لسوق الشغل المغربي، حيث يضمَّ عددًا كبيرًا من الوحدات الإنتاجية الصغيرة التي تمارس أنشطتها خارج الإطار التنظيمي والجبائي. ووفق نتائج البحث الوطني حول الوحدات الإنتاجية غير المنظمة الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، بلغ عدد هذه الوحدات أكثر من 2 مليون وحدة إنتاجية، تشغل ما يزيد عن 5 ملايين شخص[11]، ويعكس هذا الرقم حجم الدور الذي يلعبه هذا القطاع في امتصاص البطالة وتوفير فرص الشغل، لكنه في المقابل يطرح تحديات كبيرة أمام السياسات العمومية الرامية إلى توسيع قاعدة الحماية الاجتماعية.
وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يساهم بما يقارب 30 إلى 35 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يجعله مكونًا أساسيًا من مكونات الاقتصاد الوطني[12]. غير أن هذه الأهمية الاقتصادية لا تنعكس بالضرورة على مستوى ادماجه في المنظومات الاجتماعية والجبائية، إذ يظل جزء كبير من العاملين في هذا القطاع خارج أنظمة الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والتقاعد.
ويظهر تحليل بنية هذا القطاع أنه يتكون أساسًا من وحدات إنتاجية صغيرة جدًا تعتمد على العمل الفردي أو العائلي، وتتميز بضعف رأس المال، وانخفاض الإنتاجية، وغياب التنظيم القانوني. كما تنتشر هذه الوحدات بشكل أكبر في قطاعات التجارة الصغيرة والخدمات والحرف التقليدية والبناء والنقل، وهي أنشطة غالبًا ما تعتمد على مداخيل غير مستقرة أو موسمية، الأمر الذي يحد من قدرة العاملين فيها على الانخراط في أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة على الاشتراكات المنتظمة[13].
الشكل (1): بنية الاقتصاد غير المهيكل
| المؤشر | القيمة التقديرية |
| عدد الوحدات الإنتاجية غير المنظمة | 2,03 مليون وحدة |
| عدد العاملين في القطاع | حوالي 5,5 ملايين شخص |
| نسبة العمالة غير المنظمة من العمالة غير الفلاحية | حوالي 47% |
| مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الخام | بين 30% و35% |
| نسبة الوحدات الفردية أو العائلية | أكثر من 85% |
المصدر: تركيب الباحثة انطلاقا منالبحث الوطني حول الوحدات الإنتاجية غير المنظمة 2023–2024 للمندوبية السامية للتخطيط.
تكشف هذه المعطيات أن الاقتصاد غير المهيكل ليس ظاهرة هامشية أو ظرفية، بل يشكل بنية موازية داخل الاقتصاد الوطني. كما أن هيمنة الوحدات الإنتاجية الصغيرة جدًا ذات الطابع الفردي أو العائلي تعكس محدودية التنظيم المؤسسي لهذا القطاع، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام إدماجه في أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة أساسًا على علاقات الشغل المهيكلة والتصريح الإداري المنتظم.
ومن هذا المنظور، فإن إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية لا يمكن أن يقتصر على إجراءات تقنية مرتبطة بالتسجيل أو الاشتراك، بل يتطلب مقاربة أوسع تأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذا القطاع وبنيته الاقتصادية والاجتماعية.
- فجوات تغطية المخاطر الاجتماعية للعاملين بالقطاع
إذا كان الوزن البنيوي للاقتصاد غير المهيكل يفسر صعوبة تعميم الحماية الاجتماعية، فإن تحليل مؤشرات التغطية يكشف عن فجوات ملموسة بين الطموح التشريعي وواقع الاستفادة الفعلية، خاصة فيما يتعلق بتغطية المخاطر الأساسية مثل المرض وفقدان الدخل والتعويضات العائلية. وفي هذا الإطار، يشكل تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أحد أبرز مكونات هذا الورش، حيث مكن من توسيع التغطية الصحية بشكل ملحوظ، إذ ارتفعت نسبتها من حوالي 42% سنة 2020 إلى ما يقارب 88% سنة 2024. [14] ويعكس هذا التطور نجاحًا نسبيًا في إدماج فئات جديدة، خصوصًا العمال غير الأجراء والعاملين في القطاع غير المهيكل، سواء عبر نظام AMO غير الأجراء أو من خلال نظام AMO تضامن الذي تتحمل فيه الدولة الاشتراكات لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود. إلا أن قراءة هذا المؤشر تظل نسبية، إذ أن ارتفاع نسبة التغطية لا يعني بالضرورة فعالية الولوج إلى الخدمات الصحية أو استدامة الانخراط في النظام.
الشكل (2): تطور عدد المستفيدين من التغطية الصحية

المصدر: تركيب الباحثة انطلاقا من معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الاقتصاد والمالية.
تكشف قراءة هذا الشكل أن الارتفاع السريع في عدد المستفيدين يعكس دينامية قوية في توسيع التغطية، غير أنه يطرح في المقابل تساؤلات حول جودة هذا الإدماج. فجزء مهم من هذا التوسع يرتبط بإدماج فئات في إطار نظام تضامني، وليس نتيجة انخراط فعلي قائم على المساهمة المنتظمة. كما أن بعض الفئات المسجلة قد تواجه صعوبات في الاستفادة الفعلية بسبب تعقيد المساطر أو ضعف الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة في المناطق القروية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من منطق “توسيع التغطية” إلى منطق “ضمان الفعالية” يظل أحد التحديات الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، خاصة بالنسبة للعاملين في القطاع غير المهيكل الذين يواجهون إكراهات متعددة مرتبطة بالولوج والاستمرارية.
وفي امتداد لهذا التحليل، تبرز إشكالية التوازن المالي كأحد التحديات المركزية المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، حيث تكشف التقارير المتعلقة بتنزيل ورش الحماية الاجتماعية أن توسع قاعدة المستفيدين لم يواكبه بنفس الوتيرة توسع في قاعدة المساهمين الفعليين داخل النظام. فالعاملون في القطاع غير المهيكل غالبًا ما يواجهون صعوبات في أداء الاشتراكات بسبب عدم انتظام مداخيلهم أو ضعف اندماجهم في المنظومة الجبائية. ويؤدي هذا الوضع إلى ظهور فجوة هيكلية بين قاعدة المستفيدين وقاعدة المساهمين حيث أن جزءًا مهمًا من التمويل المرتبط بتعميم الحماية الاجتماعية يعتمد على الموارد العمومية. وتشير تقديرات وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن كلفة هذا الورش قد تتجاوز 50 مليار درهم سنويًا عند اكتمال تنزيله[15]. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي استمرار هذا الاختلال إلى الضغط على الاستدامة المالية للنظام، خاصة إذا لم تتمكن السياسات العمومية من إدماج جزء أكبر من العاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل المنظومة الاجتماعية والجبائية. وفي هذا السياق، يصبح إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل مسألة تتجاوز البعد الاجتماعي، لتصبح رهانًا ماليًا ومؤسساتيًا مرتبطًا بتوازن منظومة الحماية الاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد.
وفيما يخص تعميم التعويضات العائلية، فيمثل السجل الاجتماعي الموحد أحد أهم الآليات المؤسسية التي اعتمدها المغرب لتحسين استهداف برامج الحماية الاجتماعية وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة[16] ويقوم هذا النظام على تجميع المعطيات الاجتماعية والاقتصادية للأسر وتحديد مستوى استحقاقها للاستفادة من برامج الدعم المختلفة.
غير أن تطبيق هذه الآلية يطرح عدة تحديات مرتبطة بطبيعة الاقتصاد غير المهيكل. فالكثير من العاملين في هذا القطاع لا يتوفرون على دخل ثابت أو قابل للتصريح، كما أن بعضهم يمتلك أصولًا أو ممتلكات بسيطة قد تؤثر على تقييم وضعه الاجتماعي داخل مؤشر الاستهداف، رغم أن دخله الفعلي قد يظل محدودًا. وقد يؤدي ذلك إلى إقصاء بعض الفئات الهشة من الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي أو التغطية الصحية المجانية.[17] كما أن نجاح السجل الاجتماعي الموحد يظل مرتبطًا بدرجة الثقة التي يحظى بها لدى المواطنين، وبمدى قدرة الإدارة على تحديث المعطيات بانتظام وضمان الشفافية في عملية الاستهداف.
- عوائق ومداخل إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل في المنظومة
إذا كان ورش تعميم الحماية الاجتماعية يمثل أحد أهم الإصلاحات الاجتماعية في العقود الأخيرة، فإن نجاحه يظل مرتبطًا بقدرته على إدماج فئات واسعة من العاملين الذين يمارسون أنشطتهم خارج الاقتصاد المنظم. غير أن هذا الإدماج لا يواجه فقط تحديات عديدة تفرض تبني مداخل مناسبة للحيلولة دون استمرار هذه خارج الشبكات الرسمية للحماية الاجتماعية، بل يصطدم أيضًا بجملة من العوائق البنيوية المتداخلة التي تعكس طبيعة الاقتصاد غير المهيكل نفسه، وتكشف حدود الأدوات القانونية والمؤسساتية المعتمدة في التعامل معه.
- عوامل إقصاء العاملين بالقطاعات غير المهيكلة من المنظومة
تتمثل إحدى أهم العقبات التي تعترض إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل في منظومة الحماية الاجتماعية في غياب تعريف قانوني دقيق لهذا القطاع داخل المنظومة التشريعية الوطنية. فالتشريعات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب غالبًا ما تقوم على التمييز بين العمل المأجور والعمل المستقل، دون أن توفر إطارًا قانونيًا واضحًا للفئات التي تمارس أنشطة اقتصادية غير منظمة أو غير مصرح بها.
ويؤدي هذا الغموض القانوني إلى صعوبة تحديد الفئات المستهدفة بسياسات الإدماج الاجتماعي، كما يعقد عملية تصميم آليات مناسبة لدمج هذه الفئة داخل أنظمة الحماية الاجتماعية. وقد أشارت تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن غياب تعريف مؤسساتي واضح للاقتصاد غير المهيكل يمثل أحد أبرز العوائق التي تواجه سياسات تعميم الحماية الاجتماعية في العديد من الدول النامية. وإلى جانب ذلك، يظل تعقيد المساطر الإدارية المرتبطة بالتسجيل والتصريح المهني أحد العوامل التي تحد من انخراط العاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل المنظومات الرسمية. فبالنسبة لعدد كبير من أصحاب الأنشطة الصغيرة أو الحرفيين، قد تبدو إجراءات التسجيل في الأنظمة الجبائية أو الاجتماعية معقدة أو مكلفة مقارنة بطبيعة نشاطهم الاقتصادي المحدود.
ويرتبط ضعف إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية بعدد من العوامل الاقتصادية والجبائية المرتبطة بطبيعة هذا القطاع. فالدخل في هذا القطاع غالبًا ما يتسم بعدم الاستقرار والتذبذب، كما أن العديد من الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة تعتمد على مداخيل يومية أو موسمية يصعب إخضاعها لنظام اشتراك ثابت.
وفي هذا السياق، تشير الدراسات الدولية إلى أن العاملين في الاقتصاد غير المهيكل يميلون إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجاتهم الاقتصادية الآنية بدل الالتزام باشتراكات اجتماعية قد لا يرون فائدتها المباشرة على المدى القصير [18]كما أن ضعف الاندماج الضريبي لهذا القطاع يمثل تحديًا إضافيًا أمام إدماجه في منظومة الحماية الاجتماعية. فالكثير من الوحدات الإنتاجية غير المنظمة لا تخضع لأي نظام ضريبي واضح، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على تتبع أنشطتها الاقتصادية وتقدير قدرتها المساهمة في تمويل الأنظمة الاجتماعية.
ويؤدي هذا الوضع إلى إشكالية مزدوجة: فمن جهة، يصعب تحديد القدرة المالية الفعلية لهذه الفئة؛ ومن جهة أخرى، يطرح ذلك تحديات مرتبطة بمبدأ العدالة الجبائية، حيث قد يشعر العاملون في القطاع المهيكل بوجود تفاوت في الالتزامات الضريبية والاجتماعية بينهم وبين الفاعلين في الاقتصاد غير المنظم. وإلى جانب العوامل القانونية والاقتصادية، تلعب العوامل الاجتماعية والسوسيولوجية دورًا مهمًا في تفسير استمرار الاقتصاد غير المهيكل وصعوبة إدماجه داخل المنظومات الرسمية. ففي كثير من الحالات، يرتبط العمل غير المهيكل بثقافة اقتصادية واجتماعية متجذرة تقوم على المرونة والاعتماد على العلاقات الاجتماعية والشبكات المحلية بدل الاعتماد على المؤسسات الرسمية. كما أن بعض الفاعلين الاقتصاديين قد يفضلون الاستمرار في العمل خارج الأطر التنظيمية لتجنب القيود الإدارية أو الالتزامات المالية المرتبطة بالاقتصاد المنظم.
كما أن ضعف الثقة في المؤسسات العمومية يمثل عاملًا مهمًا في هذا السياق. فقد أظهرت بعض الدراسات المتعلقة بالثقة في الإدارة العمومية أن جزءًا من المواطنين لا يزال مترددًا في الانخراط في الأنظمة الرسمية بسبب تصورهم لضعف فعالية المؤسسات أو تعقيد الإجراءات الإدارية[19]. وبالموازاة، تلعب الاعتبارات السياسية دورًا مهمًا في تدبير مسألة إدماج الاقتصاد غير المهيكل. فبسبب الحجم الكبير لهذا القطاع داخل سوق الشغل، يشكل العاملون فيه فئة اجتماعية واسعة قد يكون لأي إصلاح يمس أنشطتهم انعكاسات مباشرة على الاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق، قد تتردد الحكومات أحيانًا في فرض إجراءات صارمة لتقنين هذا القطاع أو إلزامه بأداء ضرائب واشتراكات اجتماعية مماثلة لتلك المفروضة على القطاع المهيكل، خوفًا من حدوث توترات اجتماعية أو من التأثير على مصادر عيش فئات واسعة من السكان التي تشكل أيضا قاعدة انتخابية مهمة للفاعلين السياسيين. كما أن غياب معطيات دقيقة حول الوضعية الاقتصادية الفعلية لعدد كبير من العاملين في هذا القطاع يجعل من الصعب تصميم سياسات إدماج فعالة دون المخاطرة بإقصاء بعض الفئات الهشة أو فرض أعباء مالية غير متناسبة مع قدراتها الاقتصادية.
3. نحو نموذج أكثر إدماجًا واستدامة للحماية الاجتماعية
يقتضي تعزيز فعالية هذا الورش اعتماد مجموعة من الإصلاحات المتكاملة التي تشمل الإطار التشريعي والمؤسساتي والمالي، إلى جانب ربط الحماية الاجتماعية بسياسات أوسع للإصلاح الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، ومنها:
- تطوير الإطار التشريعي للحماية الاجتماعية ليصبح أكثر إدماجًا: يتطلب إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل تطوير الإطار القانوني للحماية الاجتماعية بما يسمح باستيعاب تنوع الأوضاع المهنية التي تميز هذا القطاع. فالقانون-الإطار 09.21 يمثل خطوة مهمة نحو تعميم الحماية الاجتماعية، غير أن طبيعته التوجيهية تظل بحاجة إلى استكمال عبر نصوص تشريعية وتنظيمية أكثر تفصيلًا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات العمال غير الأجراء والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في تطوير صيغ قانونية مرنة تسمح بإدماج العاملين في الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية دون فرض شروط صارمة يصعب عليهم الالتزام بها. كما يمكن تعزيز الإطار القانوني المتعلق بالعمل المستقل والعمل عبر المنصات الرقمية والمهن الجديدة التي تتسم بمرونة أكبر في أنماط التشغيل. ومن شأن هذا التطوير التشريعي أن يساهم في تقليص الفجوة بين الإطار القانوني للحماية الاجتماعية وبين واقع سوق الشغل الذي يتميز بتعدد أشكال العمل غير النظامي.
- تعزيز الحكامة المؤسساتية وتكامل قواعد البيانات الاجتماعية: تبرز التجارب الدولية أن نجاح سياسات الحماية الاجتماعية يعتمد بدرجة كبيرة على جودة الحكامة المؤسساتية وعلى قدرة المؤسسات العمومية على التنسيق فيما بينها. وفي الحالة المغربية، يشكل تعزيز التنسيق بين المؤسسات المتدخلة في مجال الحماية الاجتماعية، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الإدماج الاقتصادي، عنصرًا أساسيًا لضمان فعالية السياسات الاجتماعية.
كما يمثل السجل الاجتماعي الموحد أداة مهمة لتحسين استهداف الفئات المستفيدة من برامج الدعم الاجتماعي، غير أن فعاليته تظل رهينة بتطوير آليات تحديث المعطيات الاجتماعية وتعزيز تكامل قواعد البيانات بين مختلف المؤسسات العمومية. ومن ثمّ، فإن تطوير نظام معلوماتي موحد يربط بين البيانات الجبائية والاجتماعية والمهنية يمكن أن يساهم في تحسين قدرة الدولة على تتبع أوضاع العاملين في الاقتصاد غير المهيكل وتحديد مستوى استحقاقهم للاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية.
- تطوير نموذج تمويل أكثر استدامة للحماية الاجتماعية: يظل تمويل منظومة الحماية الاجتماعية أحد التحديات الرئيسية المرتبطة بتوسيع نطاق التغطية الاجتماعية. فمع ارتفاع عدد المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي والتغطية الصحية، يزداد الضغط على المالية العمومية، خاصة إذا لم يواكب ذلك توسع مماثل في قاعدة المساهمين.
وفي هذا السياق، يتطلب تعزيز الاستدامة المالية للمنظومة اعتماد نموذج تمويل أكثر تنوعًا يقوم على توسيع قاعدة المساهمات الاجتماعية وتطوير آليات تضامن وطني تساهم في دعم الفئات الأكثر هشاشة. كما يمكن التفكير في تطوير صيغ مساهمة مرنة تتناسب مع طبيعة الدخل غير المنتظم للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل، مثل المساهمات التصاعدية أو الموسمية. ومن شأن هذا التوجه أن يساهم في تحويل جزء من العاملين في الاقتصاد غير المهيكل من مستفيدين من الدعم الاجتماعي إلى مساهمين تدريجيين في تمويل المنظومة الاجتماعية.
- ربط الحماية الاجتماعية بسياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية: لا يمكن تحقيق إدماج فعلي ومستدام للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل منظومة الحماية الاجتماعية بمعزل عن السياسات الاقتصادية الرامية إلى تعزيز الهيكلة الاقتصادية وخلق فرص الشغل المهيكل. فالحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تُفهم فقط كآلية لتقديم الدعم الاجتماعي، بل كرافعة لتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحسين ظروف العمل.
وفي هذا الإطار، يمكن تطوير سياسات تحفيزية تشجع العاملين في القطاع غير المهيكل على الانتقال التدريجي نحو الاقتصاد المنظم، من خلال تبسيط المساطر الإدارية وتخفيف الأعباء الجبائية على الأنشطة الصغيرة خلال المراحل الأولى من الهيكلة. كما يمكن تعزيز برامج التكوين المهني ودعم المبادرة الذاتية وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما يساهم في توسيع قاعدة الاقتصاد المهيكل ورفع مستوى الإنتاجية الاقتصادية.
الخاتمة
تكشف قراءة واقع الحماية الاجتماعية في المغرب، في علاقتها بالاقتصاد غير المهيكل، عن مفارقة بنيوية أساسية: فبينما يشكل تعميم الحماية الاجتماعية أحد أبرز المشاريع الإصلاحية التي أطلقتها الدولة خلال العقد الأخير، لا يزال جزء مهم من القوة العاملة الوطنية يشتغل خارج الأطر المؤسسية التي تتيح الاستفادة الفعلية من هذه الحماية. وتزداد هذه المفارقة حدة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي والاجتماعي الكبير للقطاع غير المهيكل، الذي أصبح يشكل فضاءً رئيسياً لاستيعاب فئات واسعة من اليد العاملة، خاصة في ظل محدودية فرص الشغل المهيكل.
وقد أظهر التحليل أن إشكالية إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل في منظومة الحماية الاجتماعية لا يمكن اختزالها في مجرد مسألة تقنية مرتبطة بآليات التسجيل أو التمويل، بل ترتبط في العمق بإكراهات بنيوية متعددة الأبعاد. الأمر الذي يستوجب الانتقال من المقاربة القطاعية الضيقة نحو رؤية أكثر شمولية تأخذ بعين الاعتبار الترابط القائم بين تنظيم سوق الشغل، وتحسين الإنتاجية الاقتصادية، وتعزيز العدالة الاجتماعية. وفي ضوء ذلك نقترح ما يلي:
- إحداث نظام “المساهمة التناسبية” الذي يربط الاقتطاعات بالتدفقات المالية الحقيقية للمهنيين، مع تفعيل آلية “التمويل التلقائي” عبر استخلاص ميكرو-مساهمات من فواتير الخدمات الأساسية.[20]
- تطوير خوارزميات “السجل الاجتماعي الموحد” عبر ربط قاعدة بياناته بنظام الذكاء الاصطناعي، الذي يحلل فواتير الكهرباء أو حركات رصيد الهاتف للتمييز بين الهشاشة البنيوية والأنشطة المهنية وللانتقال من الاستهداف الجامد إلى الاستهداف الديناميكي، لضمان عدم إقصاء الفئات المتواجدة في “المنطقة الرمادية”.
- توسيع المظلة القانونية عبر تعديل مادة في مدونة الشغل تفرض على “المنصة الرقمية” دور “المُشغل الافتراضي” (عبر إدراج مقتضيات قانونية خاصة بالعامل المستقل المعتمد على منصة في مدونة الشغل) لتقنين أنماط الشغل الهجينة، وضمان الحماية الاجتماعية لعمال الاقتصاد الرقمي والخدماتي كذلك.
- التحفيز عبر النفاذ الاقتصادي عبر ربط الانتظام في المساهمات بامتيازات ملموسة، كالأولوية في الصفقات العمومية الصغرى، والولوج التفضيلي لخطوط التمويل البنكي (برنامج انطلاقة وغيره).
- تأمين الاستدامة المالية عبر إقرار “ضريبة التضامن الاجتماعي” على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، لتعويض العجز الناتج عن إدماج القطاعات غير المنظمة ذات الدخل المحدود.
وفي المحصلة، يتعين تبني حزمة إجراءات لا تقف عند حدود “توسيع التغطية” كغاية كمية، بل تروم هندسة منظومة حماية مرنة تملك المقومات الضرورية لامتصاص تقلبات الدخل في القطاع غير المهيكل وتنتقل بهذا الورش الإصلاحي من منطق “العبء الميزانياتي” إلى منظور إدماجي يكفل المزاوجة بين منطلبات الاستدامة المالية، والتماسك الاجتماعي وفعلية الاستفادة الشاملة من خدمات الحماية الاجتماعية.
الهوامش
[1] عثمان مخون، ورش الحماية الاجتماعية: هل يتغلب المغرب على التحديات المطروحة؟، دراسة تحليلية حول إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب. – وزارة الاقتصاد والمالية، السياسة العمومية المندمجة للحماية الاجتماعية 2020-2030، الرباط – المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقارير وآراء حول إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب، الرباط، 2021.
[2] عبد الرفيع زعنون، تعميم الحماية الاجتماعية: تأسيس لدولة الرعاية أم تكريس لسياسة التخلي؟، ورقة سياسات منشورة على موقع المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA)، بتاريخ 24 يناير 2022.
[3] أويس الغزاوي، تحديات تنزيل ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، دراسة أكاديمية، طالب باحث حاصل على دبلوم الماستر في القانون العام، المغرب.
[4] خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة، 13 أكتوبر 2017 – خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، 12 أكتوبر 2018 – كلمة رئيس مجلس المستشارين خلال المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية.
[5] منظمة العمل الدولية، التوصية رقم 202 بشأن الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية، جنيف – منظمة العمل الدولية، الاتفاقية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة.
[6] Organisation Internationale du Travail (OIT), Mesures sociales clés pour faciliter l’intégration des entreprises informelles dans le secteur formel et renforcer le travail décent, Rapport d’étude.
[7] عرض وزير الاقتصاد والمالية حول تعميم الحماية الاجتماعية، 2021 – تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب حول إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية.
[8] عبد الرفيع زعنون، التحويلات النقدية المشروطة بالمنطقة العربية ومأزق العدالة الاجتماعية، مجلة رواق عربي، العدد 29، سنة 2014، ص 108 متاح عبر الرابط: https://doi.org/10.53833/EJKQ2599تم الاطلاع عليه بتاريخ: 13/01/2026.
[9] مرجع سابق: عثمان مخون؛ البنك الدولي؛ منظمة العمل الدولية.
[10] كلمة رئيس مجلس المستشارين في المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية – وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية، السياسة العمومية المندمجة للحماية الاجتماعية 2020-2030.
[11] لمندوبية السامية للتخطيط، البحث الوطني حول الوحدات الإنتاجية غير المنظمة 2023-2024، الرباط، 28 ماي 2024) وقد أفاد التقرير بأن القطاع غير المهيكليضم حوالي 2.03 مليون وحدة إنتاجية غير منظمة سنة 2023، بزيادة تفوق 353 ألف وحدة مقارنة مع سنة 2014. كما تم جمع المعطيات الميدانية لمدة سنة كاملة من أجل أخذ التغيرات الموسمية بعين الاعتبار (
[12] مرجع سابق: المندوبية السامية للتخطيط، مختصرات المندوبية السامية للتخطيط، عدد 16، 2 مارس، بعنوان: القطاع غير المهيكل: الخصائص الرئيسية ووتيرة التطور.
[13] المندوبية السامية للتخطيط، البحث الوطني حول القطاع غير المهيكل 2023-2024، الرباط.
[14] الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS، التقرير الإحصائي للتأمين الصحي الإجباري لسنة 2023.
[15] وزارة الاقتصاد والمالية، مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2026، التقارير المرفقة المتعلقة بالحماية الاجتماعية.
[16] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، رأي حول مشروع القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، إحالة ذاتية رقم 44/2020، ص 15.
[17] سعيد الشرقاوي، تحول السجل الاجتماعي الموحد من أداة لضمان فعالية البرامج الاجتماعية إلى آلية ناعمة لإرساء نموذج دولة الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية، مقال منشور على موقع المعهد المغربي لتحليل السياسات، 12 مارس 2025.
[18] البنك الدولي، تقارير حول الاقتصاد غير الرسمي وإصلاحات الحماية الاجتماعية في المغرب.
- Aït Lemqeddem, Hamid, L’économie informelle au Maroc: quelles mesures pour une intégration dans l’économie organisée ? Revue Internationale des Sciences de Gestion, ISSN : 2665-7473, Numéro 3, Avril 2019.
[19] محمد مصباح، رشيد أوراز، هاجر الإدريسي، آن-لويس باومان، طارق لحرش، مؤشر الثقة 2022 : الثقة في الإدارة العمومية خلال عصر الوباء، المعهد المغربي لتحليل السياسات، الرباط.
[20] استبدال واجبات الاشتراك الثابتة بنسبة مئوية مرنة مرتبطة برقم المعاملات المصرح به أو عبر لاقتطاع من المصدر.
لكسر حاجز “المبلغ الثابت” الذي يرهب العامل البسيط (مثلاً: أداء 200 درهم شهريا سواء اشتغل أو لا). عبر تفعيل شراكات مع شركات الاتصالات وموزعي الطاقة لاستخلاص “ميكرو-مساهمات” (تتراوح بين 1% و2% ) تضاف لفواتير الاستهلاك المهني، وتحول آليا إلى الحساب الشخصي للمنخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. (مثال: عند تعبئة رصيد هاتفي بـ 10 دراهم، تقتطع 0.5 درهم تلقائياً كـمساهمة اجتماعية.) العامل يؤدي اشتراكه دون أن يشعر وبشكل يتناسب مع استهلاكه ونشاطه. إذا توقف عن العمل، توقف الاستهلاك، فتوقف الاقتطاع دون أن يتراكم عليه دَيْن للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
عائشة العمراني
باحثة في مجال السياسات الاجتماعية، حاصلة على ماستر في القانون الدولي للأعمال، وتشتغل كمساعدة اجتماعية. تشغل عضوية الهيئة الاستشارية مع المجتمع المدني بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وتهتم بقضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية.



