“يرى الناس أن هناك ثروة، لكنها غير موزعة بشكل عادل”
د. محمد مصباح
حاورته: كلاريسا كراوس
تقديم للمقابلة:
اندلعت احتجاجات “جيل زد 212” في المغرب عام 2025 نتيجة لاختلالات هيكلية في توزيع الموارد والتنمية على مستوى التراب الوطني. ورغم الزخم الأولي الذي أحدثته الحركة وسط الشباب والمجتمع المغربي بشكل أوسع، إلا أن غياب التنسيق المركزي واندلاع أعمال العنف بين المتظاهرين أدى في النهاية إلى تراجع التأييد الشعبي. ومع ذلك، نجحت الاحتجاجات في انتزاع تعهدات من الحكومة بضخ مزيد من الاستثمارات في الخدمات العمومية كالتعليم والمستشفيات.
كلاريسا كراوس: خلال خريف 2025، شهد المغرب سلسلة من الاحتجاجات نظمتها ما يُعرف بـ”جيل زد 212″، جاءت إثر الوفاة المأساوية لعدة نساء حوامل في أحد مستشفيات أكادير. وكانت المطالب الرئيسية للمحتجين، الذين هم في غالبيتهم من الشباب، تنحصر في تحسين خدمات الصحة والتعليم. د. محمد مصباح، لماذا في رأيك خرج المغاربة إلى الشوارع؟
د. محمد مصباح: أولويات الحكومة لا تتماشى مع تطلعات غالبية المواطنين. إذ يلاحظ كثير من المواطنين اتساع الفجوة بين خيارات الإنفاق الحكومي وواقعهم المعاش. يرون أن الدولة تنفق ميزانيتها على مشاريع مثل ملاعب كأس العالم 2030، في حين يعاني مستشفيات المناطق النائية من نقص حاد. يبدو لكثير من المواطنين أن الدولة تفضل الاستثمارات ذات الطابع الاستعراضي على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وحتى عندما تنفق الدولة على قطاعات ذات صلة، فإن هذه الاستثمارات لا توزع بشكل عادل. على سبيل المثال، يتركز أكثر من 70% من المستشفيات في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط.
يُعرف هذا التفاوت بـ “المغرب ذو السرعتين”. وهو يعني وجود عدم المساواة شاسع ليس فقط بين الجهات، بل أيضا بين الجنسين والفئات الاجتماعية. خذ العاصمة الرباط مثالا: بعض شوارعها حديثة جدا، ويمكنك رؤية مستشفيات وبنية تحتية جديدة. لكن بمجرد أن تغادر المدينة مسافة 50 كم في أي اتجاه، تجد فقرا مدقعا. يرى الناس أن هناك ثروة في البلاد، لكنها موزعة بشكل غير عادل. هذا التباين المرئي يحبط الكثيرين، الذين يشعرون بأنهم مستبعدون من السلم الاجتماعي والاقتصادي.
كلاريسا كراوس: ما هو السياق التاريخي والاجتماعي الذي تندرج ضمنه احتجاجات “جيل زد 212″؟
د. محمد مصباح: لفهم الجذور التاريخية لجيل زد 212 وردود فعل الدولة الحالية تجاه المظاهرات، ينبغي لنا النظر إلى حركة 20فبراير 2011. لقد كانت إحدى أكبر الاحتجاجات التي شهدها المغرب منذ عقود. طالب المحتجون بملكية دستورية ومحاربة الفساد. وقد أسفر ذلك عن دستور جديد، مصحوبا بوعود بانتقال سياسي وانتخابات نزيهة وشفافة. لكن لم يتم الوفاء بأي من هذه الوعود كما ينبغي. ورغم إدخال إصلاحات مؤسسية مهمة، لا يزال هناك ضعف على مستوى المساءلة وسياسات إعادة التوزيع. وبالتالي، فإن الإصلاحات الهيكلية تحققت بشكل جزئي فقط. هذه هي معضلة جيل زد 212.
كلاريسا كراوس: بوصفك مراقبا للمغرب على المدى الطويل ومواطنا مغربيا، هل كنت تتوقع حدوث احتجاجات؟
د. محمد مصباح: لأكون صريحا، كنت أتوقع موجة احتجاج أكبر لأن أسلوب النظام في السيطرة على مختلف المجالات ليس نموذجا مستداما. المجتمع المدني مكبل، وحرية الصحافة محدودة، وتقلص الحقل السياسي بشكل كبير، مما حد من ظهور بدائل سياسية ذات مصداقية. فعلى سبيل المثال، لو ظهر شخص مثل “زهران ممداني” في المغرب، لأوقفه موظف في أدنى سلم البيروقراطية الإدارية، أي “المقدم”، ولن يمنحه الإذن بالترشح للانتخابات.
في عام 2018، كتبت مقالا أسأل فيه:” “ماذا يعني تراجع الثقة في الأحزاب السياسية بالنسبة للمغرب؟، وخلصت إلى أنه في مرحلة ما، ستضطر الحكومة أو النظام إلى مواجهة المجتمع مباشرة. وذلك لأن أغلب الأحزاب السياسية والنقابات العمالية فقدت مصداقيتها، ولم تعد قادرة على ممارسة دورها كوسيط بين الدولة والمجتمع بشكل كامل. عادة، تلعب هذه المؤسسات الوسيطة دور ممتص الصدمات للنظام، القادر على احتواء أي هزة قادمة. لقد أدركت في عام 2017 أن المنطقة العازلة تتقلص، وأنه ستحدث في النهاية مواجهة مباشرة.
كلاريسا كراوس: ما الجديد الذي قدمه “جيل زد 212” بشكل مختلف عن الحركات السابقة؟
د. محمد مصباح: نظرا للطابع المجهول تماما للحركة، فهي لا تمتلك قيادة ولا أيديولوجيا. هذه الاحتجاجات هي تعبير عن الفراغ. إنهم يتصرفون مثل شخص جريح، يعلم بوجود خطأ ما، لكنه لا يستطيع صياغة المظالم بشكل واضح. وهذا يعكس أزمة تمثيل عميقة، وليست مجرد أزمة سياسات. في حركة 20 فبراير، كان القادة متنوعين، من اليسار والإسلاميين والشباب. لكن على الأقل كانت هناك قيادة قادرة على التعبير عن المطالب.
كلاريسا كراوس: أنت تشير إلى تنظيم الاحتجاجات عبر منصة “ديسكورد” الإلكترونية. هل تعتقد أن عدم الكشف عن الهوية أضعف حركة “جيل زد 212″؟
د. محمد مصباح: نعم. حتى أن البعض تساءل: “من يضمن أن هذه الاحتجاجات ليست مخترقة من جهات أجنبية؟” هذا لا يعني أن مطالبهم غير مشروعة. كما أعلم أيضا أن العديد من ناشطي جيل زد 212 يعانون. فقد تم سجن المئات منهم. ومع ذلك، من أجل الحصول على حركة اجتماعية قوية وشرعية، فأنت بحاجة إلى قادة ذوي مصداقية يمكنهم تحمل المسؤولية والتفاوض مع الدولة. هذا أحد الأسباب التي جعلت “جيل زد 212” يحظى بتأييد أقل بشكل عام.
كلاريسا كراوس: من الذي أيد الحركة؟
د. محمد مصباح: في بداية الحركة، أيد العديد من المغاربة مطالبها. أظهر استطلاع للرأي أن أكثر من 50% من المغاربة أيدوا الاحتجاجات في البداية عندما اندلعت في 27 سبتمبر 2025. كان الشباب، والفئات الهشة والنساء يشعرون بخيبة أمل بشكل خاص. لكن بعد الخطاب الملكي في 10 أكتوبر 2025، تراجع الدعم. كان من الواضح أن الناس لم يخرجوا إلى الشوارع، على عكس حركة 20فبراير 2011. على العموم، تظاهر الآلاف من الأشخاص في جميع أنحاء البلاد، لكن ذلك ليس كتلة قادرة على تغيير ميزان القوى. فبدون تعبئة مستدامة تشمل مختلف الطبقات الاجتماعية، يصعب الحفاظ على زخم الاحتجاج.
كلاريسا كراوس: لماذا لم تصل الحركة إلى كتلة حرجة؟
د. محمد مصباح: كما قلت، في بداية الاحتجاجات، أيد العديد من المغاربة مطالب الحركة. لكن عندما انتشرت مقاطع فيديو للمتظاهرين وهم يحرقون مركز شرطة ويرتكبون أعمال سرقة ونهب، شكل ذلك نقطة تحول نحو فقدان التأييد. أعتقد أن ذلك كان الفرصة المثالية للنظام ليقدم نفسه على أنه الحامي من الفوضى. بررت هذه المقاطع تدخلات السلطات. المجتمع المغربي يقدر الاستقرار تقديرا عاليا ، لذلك حتى الاضطراب المحدود يمكن أن يغير الرأي العام بشكل حاسم.
كلاريسا كراوس: ماذا عن مقاطع الفيديو التي تظهر عنف الشرطة؟
د. محمد مصباح: يجب أن نحلل هذا خطوة بخطوة. بدأت الاحتجاجات سلمية. كان هناك حد أدنى من العنف من قبل الشرطة. قاموا باحتجاز المتظاهرين، ونقلهم إلى مراكز الشرطة، وتسجيل أسمائهم لبناء قاعدة بيانات عن الناشطين والقادة المحتملين. كانت هذه الحركة جديدة تماما على السلطات. ثم بدأت الشرطة في قمعهم، مما دفع المحتجين للرد بالعنف، كما رأينا في أعمال النهب. لم نشهد هذا النوع من السيناريو في المغرب منذ زمن طويل. بعد ذلك، زادت الشرطة من عنفها. الاستراتيجية الجديدة للنظام هي قمع الاحتجاجات منذ البداية لمنع نموها، كما لاحظنا في احتجاجات الريف عام 2016.
كلاريسا كراوس: حركة الريف كانت حركة شعبية نظمت احتجاجات جماهيرية بين أكتوبر 2016 ويونيو 2017 في شمال المغرب.
د. محمد مصباح: نعم. قبل ذلك، في عام 2011، اعتقد النظام أن قمع المحتجين قد يأتي بنتائج عكسية، لذا لم يفعل. لكن في احتجاجات الريف عام 2016، قام بقمعهم ونجح ذلك. سجنوا المحتجين لمدة 20، حتى 30 عاما. الآن فعلوا الشيء نفسه مع محتجي حركة “جيل زد 212”. من منظور النظام، يهدف نهج الردع هذا إلى تثبيط أي تعبئة أوسع، ولكي نكون صادقين، يبدو أنه نجح حتى الآن.
كلاريسا كراوس: هل هذا هو السبب وراء انتهاء احتجاجات “جيل زد 212” بسرعة نسبيا؟
د. محمد مصباح: أحد الأسباب. أحدد أربعة عوامل رئيسية. القمع الشديد المذكور أعلاه يتبع نهجا متعدد المستويات لا يقتصر على ملاحقة المحتجين أنفسهم أمام الشرطة والقضاء، بل يشمل أيضا التهديد والملاحقة لعائلاتهم. العامل الثاني هو أن حركة “جيل زد 212” لم تحظ بدعم شعبي كاف لجعلها حركة اجتماعية قوية. العامل الثالث هو غموض الحركة نفسها، والذي ذكرته سابقا. وأخيرا، تمكنت الحكومة من الاستجابة بشكل استراتيجي للمطالب المحدودة المتعلقة بالصحة والتعليم، وبالتالي استرضاء الشعب. لقد رفعت الحكومة الميزانيات الخاصة بالتعليم والصحة بشكل كبير. لكن الوضع الحالي ليس مشكلة تمويل. إنها مشكلة حكامة. المشاكل الجذرية هي الفساد وعدم المساواة. لذلك، على الرغم من ارتفاع الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة، فإن استخدام هذه الأموال ليس فعالا.
كلاريسا كراوس: كيف ترى تطور هذا الوضع في المستقبل؟
د. محمد مصباح: لا أعرف ما إذا كانت حركة احتجاجية جديدة ستتطور قريبا. الأسباب الجذرية لحركة 20 فبراير واحتجاجات الريف وجيل زد 212 لا تزال قائمة، ومع ذلك هناك حقائق تتحدث ضد ظهور اضطرابات جديدة: فقد حدثت حركة 20 فبراير واحتجاجات الريف خلال ذروة المرحلة الانتقالية الديموغرافية.
كلاريسا كراوس: في ذروة التحول الديموغرافي، كان هناك فائض أكبر من الشباب، الراغبين في الاندماج في سوق العمل وتأمين مستقبلهم، أكثر من اليوم. بسبب هذا الفائض، لم يتمكن الكثير منهم من العثور على عمل، مما أدى إلى تفاقم الظروف الاجتماعية والاقتصادية المزرية بالفعل، وزاد من استيائهم.
د. محمد مصباح: بالضبط. الآن هذه الفترة تجاوزت ذروتها، لذلك هناك ضغط أقل. بالإضافة إلى ذلك، عزز النظام سلطته بعد عام 2011. ومع ذلك، فقد زادت تكاليف المعيشة بشكل كبير في المغرب في السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كوفيد-19. لذلك، لكي نكون صادقين، لم تخرج الاحتجاجات بشكل كبير كما حدث سنة 2011 رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية. في الختام، لا تزال المظالم الهيكلية قائمة، لكن الخوف من الفوضى والانقسام، وغياب البدائل السياسية ذات المصداقية، يقلل من احتمالية التعبئة المستدامة على المدى القصير.
كلاريسا كراوس: شكرًا جزيلا لك على هذه المقابلة.
هذا الحوار نشر سابقا بالإنجليزية في:
https://www.boell.de/en/2026/04/19/people-see-there-wealth-it-poorly-distributed
محمد مصباح
محمد مصباح هو مؤسس ورئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA) وهو خبير في علم الاجتماع السياسي. تركز أعماله أساسا على السياسات العمومية والديمقراطية والإسلام السياسي، مع اهتمام خاص بشمال إفريقيا. الدكتور مصباح هو زميل مشارك في معهد تشاتام هاوس-لندن وأستاذ زائر في جامعة محمد الخامس، وكان في السابق باحثا غير مقيم في مؤسسة كارنيغي-الشرق الأوسط، وزميلا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (Stiftung Wissenschaft und Politik, SWP) في برلين. حصل الدكتور مصباح على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط، و تناولت أطروحته التيارات السلفية بالمغاربة منذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003. تضم أحدث منشوراته: • •الجهاديون المغاربة: جدل المحلي والعالمي، مركز الجزيرة للدراسات، 2021. • مؤشر الثقة في المؤسسات 2020، المعهد المغربي لتحليل السياسات، 2020. • Rise and Endurance: Moderate Islamists and Electoral Politics in the Aftermath of the ‘Moroccan Spring’” in Islamists and the Politics of the Arab Uprisings: Governance, Pluralisation and Contention (Edinburgh University Press, 2018) للتواصل: m.masbah@mipa.institute



