رغم التطور الكمي في الأسئلة الشفهية بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021–2026، إلا أن ذلك لم يواكبه تطور نوعي في آليات الرقابة لعمل الحكومة.
ملخص تنفيذي
تكشف حصيلة جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021–2026 عن توسع ملحوظ في حجم النشاط الرقابي البرلماني مقارنة بالولاية السابقة، إذ ارتفع مجموع التدخلات من 7124 إلى 10354 تدخلا، كما زاد عدد الأسئلة الشفهية بنسبة 61 في المائة. غير أن هذا التطور الكمي لم يواكبه تطور مماثل في آليات تدبير النشاط الرقابي ورصده وتتبع مخرجاته، بما يضمن وضوح المشاركة، واتساق تطبيق القواعد المنظمة للجلسات، والتوازن في توجيه الرقابة بين القطاعات الحكومية، وإمكانية قياس مآل الالتزامات المعلنة تحت قبة البرلمان.
واستنادا إلى تحليل 125 جلسة أسبوعية، ترصد الورقة ثلاث فجوات رئيسية في الممارسة الرقابية. تتعلق الأولى بتفاوت توزيع المشاركة بين النواب البرلمانيين، بما يطرح مسألة شفافية الولوج إلى فرص التدخل داخل الجلسات. وترتبط الثانية بالتوزيع القطاعي للنشاط الرقابي، إذ تركزت 29 في المائة من التدخلات القطاعية في أربعة قطاعات حكومية فقط. وتتعلق الفجوة الثالثة بتتبع التعهدات الحكومية، حيث لم تتوافر معطيات بشأن مآل سوى 40 في المائة من أصل 1339 تعهدا مدرجا في قاعدة التتبع، بما يحد من إمكانية تقييم مستوى تنفيذ الالتزامات المعلنة وربط الرقابة البرلمانية بنتائج قابلة للقياس.
وبناء على هذه النتائج، تقترح الورقة حزمة من الإجراءات القابلة للتنفيذ، في مقدمتها تعزيز شفافية البيانات المتعلقة بالمشاركة داخل جلسات الأسئلة الشفهية وإتاحتها بصورة منتظمة؛ وإرساء آلية دورية لرصد توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية بما يسمح بالكشف عن الاختلالات في التغطية الرقابية؛ فضلا عن تطوير الآلية القائمة لتتبع التعهدات الحكومية، بحيث لا تقتصر على تسجيلها، بل تتيح تحديد وضعية كل تعهد ومراحل تنفيذه ومآله.
مقدمة
تمثل جلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية إحدى أكثر آليات الرقابة البرلمانية انتظاما وظهورا أمام الرأي العام، إذ تتيح للنواب مساءلة الحكومة حول السياسات العمومية والقضايا التي تستأثر بالاهتمام المجتمعي. ويؤطر الفصل 100 من الدستور هذه الآلية من خلال تخصيص جلسة أسبوعية، بالأسبقية، لأسئلة أعضاء البرلمان وأجوبة الحكومة[i]، فيما يحدد النظام الداخلي لمجلس النواب قواعد تنظيمها وتدبيرها[ii]. غير أن فعالية هذه الآلية لا تقاس فقط بعدد الأسئلة والتدخلات المسجلة، وإنما كذلك بكيفية توزيع فرص المشاركة، وضبط استعمال أدوات الجلسة، وتوجيه الاهتمام الرقابي، وقدرة المجلس على تتبع ما تفضي إليه المساءلة من تعهدات والتزامات حكومية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة خلال الولاية التشريعية 2021–2026، التي شهدت توسعا لافتا في حجم النشاط الرقابي داخل جلسات الأسئلة الشفهية مقارنة بالولاية السابقة. ويظهر الشكل )1(ارتفاع عدد الجلسات الأسبوعية من 110 إلى 125 جلسة، وانتقال مجموع التدخلات من 7124 إلى 10354 تدخلا. كما ارتفع عدد الأسئلة الشفهية من 2473 إلى 3997 سؤالا، بزيادة بلغت 62 في المائة، وعدد التعقيبات من 4159 إلى 5612 تعقيبا، بنسبة 35 في المائة،[iii].
الشكل (1)

غير أن هذا التوسع الكمي يكشف، عند تحليل كيفية إدارة الجلسات ومخرجاتها، عن فجوة بين كثافة النشاط الرقابي وفعالية الأدوات المتاحة لتنظيمه ورصده واستكمال آثاره. وتتمثل المشكلة في أن المنظومة الحالية لإدارة جلسات الأسئلة الشفهية لا توفر، بالقدر الكافي، شروطا متكاملة لضمان توزيع أكثر شفافية للمشاركة، وضبط استعمال بعض الأدوات الإجرائية، وإتاحة بيانات تسمح بقراءة اتجاهات الرقابة البرلمانية، وتتبع مآل الالتزامات التي تقدمها الحكومة أثناء المساءلة.
وتتجلى هذه الفجوة في ثلاث أبعاد رئيسية تكشفها البيانات: أولا، تفاوت توزيع المشاركة بين النواب؛ وثانيا في تركز جانب من النشاط الرقابي في عدد محدود من القطاعات الحكومية، وأخيرا في محدودية تتبع مآل التعهدات الحكومية، إذ لا تتوافر أجوبة منشورة بشأن مصير نسبة كبيرة منها، كما أن الإجابة عن مآل التعهد لا تعني بالضرورة التحقق من تنفيذه. وهي اختلالات لا ترتبط أساسا بحجم النشاط الرقابي، وإنما بكيفية تنظيمه وتوثيقه وتحويل مخرجاته إلى معلومات قابلة للرصد والتقييم والمساءلة.
وعليه، تنطلق الورقة من افتراض أن زيادة عدد الأسئلة أو التدخلات لا تمثل، في حد ذاتها، مؤشرا كافيا على تحسن الرقابة البرلمانية. بل تركز على سؤال أكثر ارتباطا بصناعة السياسات: كيف يمكن تطوير قواعد وإجراءات إدارة جلسات الأسئلة الشفهية بما يجعل المشاركة أكثر شفافية، والأدوات الإجرائية أكثر انضباطا لوظائفها، والأجندة الرقابية أكثر قابلية للرصد، والتعهدات الحكومية أكثر قابلية للتتبع والتحقق؟
ويظل نطاق الورقة محددا بجلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية، ولا يستهدف تقديم تقييم شامل للأداء البرلماني للنائب، الذي يمتد إلى العمل التشريعي، وأشغال اللجان الدائمة، والأسئلة الكتابية، والمهمات الاستطلاعية، والدبلوماسية البرلمانية وغيرها من مجالات العمل النيابي. ويستند اختيار هذه الجلسات إلى كونها فضاء رقابيا منتظما وعلنيا للرقابة، يسمح بتحليل توزيع المشاركة واستعمال بعض أدوات الجلسة وتوزيع الاهتمام بين القطاعات ومدى إمكانية تتبع ما يترتب عنها من نتائج والتزامات.
ويستند التحليل إلى قاعدة بيانات أصلية أعدها الباحث انطلاقا من محاضر 125 جلسة أسبوعية للأسئلة الشفهية عقدها مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021–2026، وهي المحاضر التي نشرها مجلس النواب في بوابته الرسمية، وتضم 10354 تدخلا برلمانيا جرى رصده من طرف الباحث[iv].
واعتمدت الدراسة مقاربة كمية ونوعية، تقوم على تحليل حجم النشاط الرقابي وتوزيعه، إلى جانب فحص مضمون بعض التدخلات ومدى اتساقها مع القواعد التنظيمية، وتتبع المعطيات الرسمية المتعلقة بمآل التعهدات الحكومية. كما استخدمت بيانات الولاية التشريعية السابقة للمقارنة ورصد تطور المؤشرات الأساسية للنشاط الرقابي.
وشمل التحليل تصنيف التدخلات بحسب طبيعتها، بما في ذلك الأسئلة الشفهية والتعقيبات ونقط النظام والإحاطات بموضوع طارئ، وربطها بأسماء النواب وانتماءاتهم السياسية والقطاعات الحكومية المعنية، بحسب طبيعة كل تدخل. وأتاح ذلك احتساب مؤشرات توزيع المشاركة بين أعضاء المجلس، وتحديد نسبة مساهمة الفئات الأكثر والأقل تدخلا في مجموع النشاط، فضلا عن قياس توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية.
واستعانت الورقة، إلى جانب التحليل الكمي، بمقابلتين بحثيتين مع رئيسي فريقين نيابيين خلال الولاية موضوع الدراسة، أحدهما من الأغلبية والآخر من المعارضة، بهدف عرض موقفهما من بعض النتائج المتعلقة بتنظيم المشاركة واستعمال أدوات الرقابة. ولا تمثل المقابلتان عينة شاملة لمواقف الفرق البرلمانية، وإنما تستخدمان بوصفهما مصدرين نوعيين داعمين لتحليل نتائج محددة.
تفاوت توزيع المشاركة داخل الجلسات
لا يكشف ارتفاع العدد الإجمالي للتدخلات، بمفرده، مدى اتساع المشاركة داخل جلسات الأسئلة الشفهية، إذ تتوقف دلالته أيضا على كيفية توزيع هذه التدخلات بين أعضاء المجلس. وتبرز البيانات في هذا المستوى تفاوتا واضحا في الحضور داخل الجلسات الأسبوعية.
فخلال الفترة المشمولة بالتحليل، لم يسجل 41 نائبا ونائبة أي تدخل في جلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية؛ إذ لم يطرحوا أسئلة، ولم يقدموا تعقيبات، ولم يستعملوا نقطة نظام، كما لم يتقدموا بإحاطات لإشعار المجلس بموضوع طارئ. ويمثل هؤلاء 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 مقعدا كما يوضح ذلك الشكل (2).
الشكل (2)

وتكتسب هذه المعطيات بعدا إضافيا من زاوية المساءلة الانتخابية؛ ويظهر الشكل )3( وفق تتبع أسماء المرشحين في الدوائر المحلية والجهوية لاقتراع 23 شتنبر 2026، ، أن 23 نائبا ونائبة من أصل 41 ممن لم يسجلوا أي تدخل في الجلسات الأسبوعية يترشحون من جديد، أي 56 في المائة من هذه الفئة[v].
الشكل (3):

وفي الاتجاه المقابل، استحوذ عشرة نواب على نحو 10 في المائة من مجموع التدخلات، وارتفعت حصة النواب العشرين الأكثر تدخلًا إلى 17.5 في المائة. أما نصف أعضاء المجلس الأقل نشاطًا داخل هذه الجلسات، فلم تتجاوز حصتهم 22 في المائة من مجموع التدخلات، فيما لم يسجل 87 نائبا ونائبة أكثر من عشرة تدخلات لكل واحد منهم خلال الفترة المشمولة بالدراسة، وهو ما يوضحه الشكل )4(.
الشكل (4):

ولا تسمح هذه المؤشرات، في حد ذاتها، بالحكم على الأداء البرلماني الكامل للنائب، بالنظر إلى تعدد مجالات العمل النيابي خارج جلسات الأسئلة الشفهية. لكنها تكشف أن الزيادة الإجمالية في النشاط لم تتوزع بالقدر نفسه بين أعضاء المجلس، وأن جزءا من التدخلات ظل متركزا لدى فئة محدودة، مقابل مشاركة ضعيفة أو منعدمة لفئة أخرى.
ويتقاطع هذا التحفظ المنهجي مع مواقف الفاعلين اللذين شملتهما المقابلتان البحثيتان. ويعتبر كل من إدريس السنتيسي رئيس الفريق الحركي[vi]، وأحمد التويزي رئيس فريق الأصالة والمعاصرة[vii] أن نشاط النائب لا يقتصر على جلسات الأسئلة الشفهية، بالنظر إلى العمل داخل اللجان والأسئلة الكتابية وبقية آليات الرقابة والتشريع[viii]. غير أنهما يختلفان في تقدير دلالة الغياب عن هذه الجلسات؛ إذ يرى السنتيسي أن عدم المشاركة فيها يطرح إشكالا بالنظر إلى وظيفتها في نقل انشغالات المواطنين، بينما يعتبر التويزي أن الغياب عنها لا يكفي، بمفرده، للحكم على أداء النائب البرلماني[ix].
وتبرز هذه النتائج الحاجة إلى التمييز بين ارتفاع العدد الإجمالي للتدخلات البرلمانية ومدى اتساع المشاركة الفعلية بين أعضاء المجلس. فرغم إتاحة محاضر جلسات الأسئلة الشفهية للعموم، فإنها لا تقدم معطيات مجمعة ومنظمة تتيح معرفة عدد تدخلات كل نائب، وطبيعتها، وتطورها خلال الولاية التشريعية. ويتطلب استخراج هذه المؤشرات تجميع البيانات الواردة في المحاضر ومعالجتها وتصنيفها في قاعدة بيانات، بما يتيح تحليلها، وهو ما قامت به هذه الورقة للكشف عن تفاوت المشاركة بين النواب.
ولا يمثل تفاوت عدد التدخلات بين النواب، في حد ذاته، اختلالا في ممارسة الرقابة البرلمانية، إذ تختلف طبيعة المسؤوليات والمهام التي يضطلع بها أعضاء المجلس. غير أن النتائج تكشف الحاجة إلى إتاحة معطيات واضحة ومنظمة حول مشاركة كل نائب في جلسات الأسئلة الشفهية، بما يمكن من معرفة حجم هذه المشاركة وتطورها خلال الولاية التشريعية. ومن شأن ذلك تعزيز شفافية النشاط الرقابي وتمكين الباحثين والمواطنين من تتبعه، دون اعتبار عدد التدخلات معيارا وحيدا لتقييم أداء النواب، الذي يشمل أنشطة تشريعية ورقابية أخرى خارج الجلسات الأسبوعية.
تركيز الاهتمام الرقابي على قطاعات محددة
يوضح الشكل )5( توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية، وتكشف المعطيات أن الزيادة في حجم النشاط الرقابي لم تتوزع بالقدر نفسه بين مختلف المجالات. وشمل التحليل 9609 تدخلا مرتبطة بالأسئلة والتعقيبات والتعقيبات الإضافية، جرى تصنيفها بحسب القطاع الحكومي المعني.
الشكل (5):

وتركز 2812 تدخلا، أي 29 في المائة من مجموع التدخلات القطاعية، في أربعة قطاعات فقط: التجهيز والماء بـ798 تدخلا، والفلاحة والتنمية القروية بـ704، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ677، والصحة والحماية الاجتماعية بـ633 تدخلًا. وفي المقابل، سجلت قطاعات أخرى حضورا محدودا نسبيا، من بينها الشؤون الخارجية والصيد البحري والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والعلاقات مع البرلمان والأوقاف والشؤون الإسلامية، بما يتراوح بين 51 و192 تدخل لكل قطاع.
ولا يعني هذا التفاوت، في حد ذاته، أن القطاعات الأقل استقطابا للتدخلات تخضع بالضرورة لرقابة أضعف، إذ تختلف طبيعة اختصاصات الوزارات، وحجم اتصالها المباشر بالمواطنين، ومدى ملاءمة القضايا التي تدبرها لآلية السؤال الشفهي.
كما يؤطر النظام الداخلي جزءا من هذا التوزيع؛ إذ يتيح لمكتب المجلس تحويل السؤال الشفهي ذي الطابع المحلي إلى سؤال كتابي، وينص على برمجة كل قطاع حكومي مرة واحدة في الشهر على الأقل، مع ترتيب القطاعات تنازليا بحسب عدد الأسئلة الواردة بشأنها[x].
ويشير إدريس السنتيسي، في المقابلة البحثية التي أجريت معه، إلى أن بعض الأسئلة الشفهية تتأثر أيضا بانشغالات مرتبطة بالدائرة الانتخابية للنائب البرلماني، في حين يمكن معالجة بعض هذه القضايا عبر الأسئلة الكتابية.[xi] ويقدم هذا المعطى تفسيرا محتملا لجزء من التفاوت القطاعي، من دون أن يسمح وحده بتحديد أسباب توزيع الاهتمام بين القطاعات.
وتبرز هذه النتائج الحاجة إلى رصد منتظم لتوزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات والموضوعات عبر الزمن. فالفجوة لا تتمثل في تفاوت حجم الاهتمام بين القطاعات في حد ذاته، وإنما في محدودية إتاحة مؤشرات منظمة تسمح بتتبع بنية الأجندة الرقابية وتحولاتها، ورصد المجالات التي تستقطب اهتماما أكبر أو أقل داخل الجلسات الأسبوعية.
تعثر تتبع مآل التعهدات الحكومية
لا تقتصر دورة المساءلة البرلمانية على طرح السؤال وتلقي جواب الحكومة؛ إذ قد تتضمن الأجوبة تعهدات بإجراءات أو قرارات مستقبلية، بما يجعل تتبع مآلها جزءا من قابلية مخرجات الرقابة للرصد. ويؤطر النظام الداخلي لمجلس النواب هذه العملية من خلال المواد 299 إلى 301؛ إذ ينص على جرد التعهدات الحكومية وتصنيفها بحسب القطاعات ونشرها وإحالتها إلى رئيس الحكومة، إلى جانب تداول مكتب المجلس في وضعيتها عند نهاية كل دورة. كما تنص المادة 301 على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات” التي جرى جردها[xii].
ولا يقدم النظام الداخلي تعريفا دقيقا لمضمون «التعهد الحكومي»، لذلك تعتمد الورقة تعريفا إجرائيًا له باعتباره ما يصدر عن أعضاء الحكومة خلال أجوبتهم عن الأسئلة الشفهية ويُدرج ضمن الجرد الرسمي للتعهدات الحكومية.
وتتضمن قاعدة بيانات تتبع التعهدات التي تنشره الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان،[xiii] عن تسجيل 1339 تعهدًا مسجلًا خلال الولاية التشريعية 2021–2026. ظهر جواب عن مآل 534 تعهدا، أي حوالي 40 في المائة، مقابل 805 تعهدات، تمثل 60 في المائة، لم يظهر بشأنها جواب عن المآل إلى حدود نهاية شهر أكتوبر 2026[xiv].
ولم تتخذ نسبة الإجابة عن مآل التعهدات مسارا تصاعديا منتظما؛ إذ انتقلت من 29 في المائة في السنة الأولى إلى 37 في المائة في الثانية، وبلغت 52 في المائة في السنة الثالثة، قبل أن تتراجع إلى 43 في المائة في الرابعة و37 في المائة في الخامسة. ويشير هذا التفاوت إلى أن التحسن المسجل في منتصف الولاية لم يتحول إلى اتجاه مستمر.
ولا يعني وجود جواب عن مآل التعهد بالضرورة تنفيذه؛ إذ تقيس هذه النسبة وجود جواب منشور، ولا تقيس درجة الوفاء بالتعهد أو أثره الفعلي. وبذلك تظل هناك مرحلتان منفصلتان في دورة التتبع: معرفة مآل التعهد، ثم التحقق من مستوى تنفيذه.
ويتقاطع هذا الاستنتاج مع ملاحظة أحمد التويزي بشأن محدودية التتبع اللاحق لتبادل السؤال والجواب داخل الجلسة، إذ يعتبر أن فعالية السؤال الشفهي تتأثر بمدى تتبع ما ورد في جواب الحكومة[xv]. ولا تستخدم الورقة هذا الموقف بوصفه دليلا على غياب آلية للتتبع، إذ توجد بالفعل آلية رسمية لجرد التعهدات ونشرها، وإنما بوصفه تفسيرا نوعيا للحاجة إلى استكمال دورة المتابعة.
وتتمثل الفجوة، تبعا لذلك، في عدم اكتمال الآلية القائمة، لا في غيابها؛ فالمادة 301 تجعل الإجابة عن مآل التعهدات ممكنة، بينما لا تحدد المواد 299 إلى 301 أجلا للإجابة عن مآل كل تعهد.
ومن ثم، لا تتعلق المشكلة بإنتاج التعهدات أو جردها، وإنما باستكمال دورة تتبعها من تسجيل التعهد إلى بيان مآله ثم التحقق من مستوى تنفيذه. وهو ما يجعل تطوير آلية التتبع مرتبطا بإتاحة وضعية محدثة لكل تعهد، والتمييز بوضوح بين الإجابة عن مآله والتحقق من مستوى تنفيذه.
خلاصات: نحو إدارة الرقابة بدل تدبير زمن الجلسة
تكشف نتائج التحليل أن الارتفاع الكمي في نشاط جلسات الأسئلة الشفهية خلال الولاية التشريعية 2021–2026 لم يصاحبه تطور مماثل في الآليات التي تتيح رصد هذا النشاط وإدارة معطياته وتتبع مخرجاته. فزيادة عدد الجلسات والأسئلة والتعقيبات تعكس توسعا في حجم النشاط، لكنها لا تكفي، بمفردها، لفهم كيفية توزيع المشاركة، أو استعمال أدوات الجلسة، أو امتداد المساءلة إلى ما بعد تقديم الجواب الحكومي.
وتظهر الفجوات الثلاث التي رصدتها الورقة أن التحدي لا يتمثل في نقص النشاط داخل الجلسات بقدر ما يرتبط بشروط إدارته وقابليته للتتبع؛ إذ تظل المشاركة متفاوتة بين النواب، ولا تنطبق الشروط المنظمة لنقطة النظام على جزء من استعمالاتها، كما يتركز جانب من الاهتمام الرقابي في عدد محدود من القطاعات، فيما لا تكتمل دورة تتبع نسبة مهمة من التعهدات الحكومية.
ولا يعني تفاوت المشاركة أو الاهتمام القطاعي، في حد ذاته، وجود خلل يستوجب تحقيق توزيع متساوٍ بين النواب أو القطاعات. كما أن ارتفاع عدد التدخلات لا يمثل، بمفرده، معيارا كافيا لتقييم الأداء البرلماني. وإنما تكشف النتائج عن حاجة مؤسساتية إلى إتاحة معطيات أكثر انتظاما وشفافية حول توزيع المشاركة، واستعمال الأدوات، والأجندة القطاعية، وربط مخرجات جلسات الأسئلة الشفهية بآليات أكثر اكتمالا لتتبع مآل التعهدات والتحقق من تنفيذها.
استنادا إلى الفجوات الثلاث التي كشفها التحليل، تقترح الورقة التدخلات الآتية:
أولا، تعزيز شفافية بيانات المشاركة داخل الجلسات:
يمكن لمجلس النواب نشر بيانات مفتوحة وقابلة للمعالجة الآلية حول مشاركة النواب في جلسات الأسئلة الشفهية، تشمل الأسئلة والتعقيبات ونقط النظام والإحاطات بموضوع طارئ، مع إتاحة تتبع هذه المؤشرات على امتداد الولاية التشريعية. ولا ينبغي التعامل مع هذه البيانات باعتبارها ترتيبا لأداء النواب، بالنظر إلى تعدد مجالات العمل البرلماني، وإنما بوصفها أداة لرصد توزيع المشاركة داخل الجلسات ومقارنتها عبر الزمن.
ثانيا، جعل الأجندة الرقابية أكثر قابلية للرصد:
يمكن لمجلس النواب تطوير لوحة بيانات دورية تعرض توزيع الأسئلة والتعقيبات بحسب القطاعات والموضوعات وتطورها عبر الزمن، بما يسمح برصد بنية الأجندة الرقابية وتحديد المجالات الأكثر والأقل حضورا فيها، من دون افتراض أن التوزيع المتساوي بين القطاعات يمثل هدفا في حد ذاته.
ثالثا، تطوير آلية تتبع مآل التعهدات الحكومية:
يمكن تعزيز الآلية القائمة من خلال تحديث وضعية التعهدات بصورة دورية، وتحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآلها، وإتاحة وضعية موحدة لكل تعهد تسمح بالتمييز بين التعهد المنفذ، والمنفذ جزئيا، وقيد التنفيذ، وغير المنفذ، والمتعذر التحقق من مآله.
أما جعل الإجابة عن مآل التعهدات إلزامية، فيقتضي مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي، التي تنص حاليا على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات” التي تم جردها خلال جلسات الأسئلة الشفهية[xvi].
ولا تستهدف هذه المقترحات زيادة عدد الأسئلة أو التدخلات، وإنما تعزيز شفافية النشاط الرقابي وقابليته للرصد والتتبع، واستكمال متابعة مخرجاته. ومن هنا، يصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من تدبير زمن الجلسة إلى إدارة العملية الرقابية.
الهوامش
[i] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 100، النظام الداخلي لمجلس النواب 2025، المادة 275.
[ii] المادتان 285 و286 من النظام الداخلي لمجلس النواب.
[iii] إعداد الباحث استنادا إلى محاضر جلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية المنشورة في بوابة مجلس النواب، الولاية التشريعية 2021–2026، وعددها 125 محضرا؛ جرى استخراج التدخلات وتصنيفها بحسب نوع التدخل، والنائب، والانتماء السياسي، والقطاع الحكومي.
[iv] المصدر نفسه.
[v] تتبع الباحث للوائح الترشيح المعلنة للانتخابات التشريعية لسنة 2026، آخر تحديث: 20 شتنبر 2026، وجرت مطابقة أسماء النواب مع الانتماء الحزبي خلال الولاية.
[vi] ينتمي الفريق الحركي للمعارضة، وهو ثاني كتلة نيابية تنتمي للمعارضة بـ28 نائبا ونائبة وفق نتائج انتخابات 2021.
[vii] ينتمي فريق الاصالة والمعاصرة إلى الأغلبية الحكومية، وهو ثاني كتلة نيابية بـ87 نائبا ونائبة بعد فريق التجمع الوطني للأحرار، وفق نتائج انتخابات 2021.
[viii] مقابلتان بحثيتان مع إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي في مجلس النواب، خلال الولاية التشريعية 2021-2026، ومع أحمد التويزي رئيس فريق “الأصالة والمعاصرة”، أجريت المقابلتان عبر الهاتف في يوليوز 2026.
[ix] المصدر نفسه.
[x] المادتان 285 و286 من النظام الداخلي لمجلس النواب.
[xi] مقابلة بحثية مع إدريس السنتيسي، الرئيس السابق للفريق الحركي في مجلس النواب، خلال الولاية التشريعية 2021-2026، أجريت المقابلة عبر الهاتف في يوليوز 2026.
[xii] مجلس النواب، النظام الداخلي لسنة 2025، المواد 299–301، الفرع السادس “تعهدات الحكومة خلال أجوبتها على الأسئلة الشفوية”.
[xiii] جرد التعهدات الحكومية في موقع الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان/ الرابط: https://www.mcrpsc.gov.ma/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A/%D8%AA%D8%B9%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9/?obj=&codeSession=111&codeMinis=0&codeChambre=1&datesSeances=0&srch=1#engagement_page=1.
[xiv] حسابات الباحث انطلاقًا من قاعدة «تعهدات الحكومة» بالموقع الرسمي للوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، الولاية التشريعية 2021–2026، مجلس النواب، آخر ولوج: 20 شتنبر 2026.
[xv] مقابلة بحثية مع أحمد التويزي رئيس فريق “الأصالة والمعاصرة”، أجريت عبر الهاتف في يوليوز 2026.
[xvi] مجلس النواب، النظام الداخلي لسنة 2025، المادة 301، التي تنص على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات التي تم جردها خلال جلسات الأسئلة الشفهية”.



