كيف نتجاوز “مغرب السرعتين”؟

يُعوَّل على الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية لرفع تحديات مغرب السرعتين، لكن المنهجية المعتمدة قد تكرِّس تدبيرا مُوازيا يُخل بالهندسة الدستورية للحكامة الترابية للتنمية.
عبد الرفيع زعنون عبد الرفيع زعنون09/02/20261014 دقيقة

يُعوَّل على الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية لرفع تحديات مغرب السرعتين، لكن المنهجية المعتمدة قد تكرِّس تدبيرا مُوازيا يُخل بالهندسة الدستورية للحكامة الترابية للتنمية.

 

 

ملخص تنفيذي

تُناقش الدراسة السياقات والرهانات المُؤسِّسة للخطاب العمومي حول مغرب السرعتين، في ضوء تواتر المؤشرات المقلقة حول اتساع الفجوة التنموية بين الوسطين الحضري والقروي، وما ينجم عن ذلك من تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية، مع استشراف المسارات المرتقبة لنمذجة الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية. تخلص الورقة إلى أن توحيد سرعة التنمية بين مجالات التراب الوطني، تستلزم الموازنة بين توحيد الرؤية السياسية حول الاختيارات التنموية الوطنية، وبين بلورة مخططات مجالية تستحضر الحاجيات الترابية الحقيقية، مع الإشراك الفعلي للمجالس المنتخبة في الإشراف على البرامج الجديدة.

مقدمة

نبَّه الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش إلى الطابع التراكمي للفوارق المجالية التي أنتجت مغربا يسير بسرعتين، وما يطرحه ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية، مع الحث على استحضار البعد الترابي في تصميم وتنفيذ برامج محاربة التفاوتات بالتركيز على أربع أولويات كبرى تشمل التشغيل، والخدمات الاجتماعية الأساسية، والتأهيل الترابي، والتدبير المستدام والفعال للموارد المائية.

حتمت التأثيرات المربكة ل”مغرب السرعتين” اعتماد مقاربة ترابية لتعزيز التمفصل بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، ولإقرار تمييز إيجابي لفائدة “مناطق السرعة الدنيا”. يُجرى تنفيذ هذا التصور بتعبئة مصادر تمويلية جديدة بموجب قانون المالية لسنة 2026، واستنادا على خطاطة تدبيرية تمسك بتلابيبها وزارة الداخلية، التي شرعت عبر امتداداتها المحلية في تنظيم مشاورات مع مختلف الفاعلين الترابيين حول إعداد الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة.

تسعى الورقة -وفق منظور نقدي- إلى استنطاق الخلفيات السياسية والتدبيرية لخطاب “مغرب السرعتين”، مع توظيف تقنية المقارنة لاستخلاص مستويات التقاطع والتمايز بين المقاربة السابقة لمحاربة الفوارق الترابية وبين المسار الجديد كما تؤسِّس له النصوص الرسمية. في ضوء ذلك تم الاعتماد إلى جانب المصادر الحكومية على معطيات المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للحسابات

يتألف هيكل الورقة من ثلاثة محاور تشمل الاستحقاقات لمحاربة التفاوتات المجالية، ومسارات وآليات تنزيلها وما قد تفتحه من فرص لتجسير المجهود العمومي للتصدي للتفاوتات المجالية، وما قد تُثيره من ارتدادات على الحكامة الترابية للتنمية، إضافة إلى استشراف مداخل إسهام الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية في تحقيق العدالة المجالية.

 

الاستحقاقات المرحلية لمحاربة التفاوتات

حذّر الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 26 لعيد العرش[1] من تداعيات التفاوت المجالي على استحقاقات العدالة الاجتماعية، فاستمرار التوزيع اللامتوازن للاستثمارات والمرافق بين الوسطين الحضري والقروي كانت له مضاعفات مباشرة على الوضع الاجتماعي، في ظل التباين الحاصل في مؤشرات التنمية البشرية، كما تظهر ذلك المعطيات الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط.

الشكل 1: تباين المؤشرات الاجتماعية بين الوسطين القروي والحضري (2014-2024)

المصدر: تركيب شخصي انطلاقا من معطيات المندوبية السامية للتخطيط[2].

يُظهِر الجدول تزايد الطابع القروي (Ruralisation) لظواهر الفقر والهشاشة، حيث ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد ب 4.6 نقطة خلال الفترة الفاصلة بين 2014 و2024 مدفوعا بزيادة هائلة في معدل الفقر. وإذا كان معدل الهشاشة قد عرف بعض التراجع في الوسط الحضري فقد واصل ارتفاعه بالمناطق القروية لينتقل من 17.8% إلى %22.4  خلال نفس الفترة.

كذلك الحال بالنسبة لمؤشر البطالة، فتراجع معدل النشاط الاقتصادي بالمجالات القروية جعل معدل البطالة بها ينتقل من %10.5 في 2014 إلى %21.4 في 2024[3]. ويرتبط جزء من هذه المعضلة بمحدودية بنيات استقبال الاستثمارات ومسارات النقل والتوزيع ومحاضن اللوجستيك والتسويق، كما أن ضعف البنيات التحتية الأساسية يُكرِّس حالة من “العزلة الاقتصادية” في حق العديد من المناطق القروية بالرغم من توفرها على إمكانيات وفرص مهمة.

ارتباطا بذلك، ازدادت حدة اختلالات التوزيع المجالي للتجهيزات والخدمات الاجتماعية، حيث ما فتئ يستفحل التفاوت في الخدمات التعليمية، ليس فقط  بسبب محدودية العرض التربوي والموارد البشرية، بل أيضا نتاج بعض السياسات الحكومية “التمييزية”، كضعف تزويد المدارس القروية بالوسائل والتجهيزات الضرورية، ومحدودية ربطها بشبكة بالإنترنت. مع ما ينتج عن ذلك من اتساع الشرخ بين “تعليم حضري” آخذ في التحسن، وبين تعليم من الدرجة الثانية بالعالم القروي، ولعل من آخر تجليات هذا الشرخ تكريس “الطابع الحضري” لنموذج المدرسة الرائدة.

أما في المجال الصحي فالتفاوت أشد وطأة في ظل التباين الكبير في توزيع الخريطة الصحية بين الوسطين الحضري والقروي،  سواء تعلق الأمر بتوزيع المؤسسات حيث لا زال عرض العلاجات جد محدود بالمناطق القروية، أو بتوزيع الموارد البشرية، إذ لا يتجاوز معدل الكثافة الطبية طبيب واحد لكل عشرة آلاف نسمة مقابل حوالي 8,7 كمتوسط وطني. ناهيك عن استفحال “العزلة الصحية”، على اعتبار أن أكثر من 55% من الساكنة القروية تقطع في المتوسط أكثر من 5 كيلومترات للوصول إلى أقرب خدمة صحية أساسية، وما ينطوي عليه ذلك من تأثيرات على فعلية الحق في الصحة.

الشكل 2: تباين المؤشرات الصحية بين الوسطين الحضري والقروي

المصدر: تركيب شخصي من معطيات المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للحسابات[4].

فضلا عن ذلك، أضعف الإجهاد المائي والتغير المناخي من الموقع الوظيفي للمجال القروي في تحقيق الأمن الغذائي، وما يتبع ذلك من تداعيات اقتصادية، واجتماعية أمام استفحال التوترات الاجتماعية المرتبطة بمياه الشرب والري ببعض المناطق، بما فيها تلك التي تتوفر على منسوب ضخم من المياه السطحية والجوفية سرعان ما أخذ في النضوب، بسبب اعتماد السياسة الفلاحية على نماذج زراعية مُستنزِفة للماء وغير متناسبة مع التحولات المناخية[5]. من ناحية موازية، يسهم هذا الوضع في تغذية تيارات “الهجرة المناخية”، وما تشكله من إخلال بتوازن الأنظمة الإيكولوجية والإنتاجية، وما تضيفه من ضغط رهيب على الشبكة الحضرية[6].

مختلف هذه المؤشرات، جعلت الأولويات المرحلية للعدالة المجالية تنصرف إلى التقليص من حدة التفاوتات الحضرية/القروية، عبر مشاريع مُركَّزة لتحسين ظروف عيش الساكنة القروية التي تعاني من الفقر والهشاشة بسبب الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية[7]، مع ارتكاز أكثر على مقاربات القرب الاجتماعي لتعظيم الأثر الإيجابي للتدابير المُزمع سنها في إطار جيل جديد لسياسات العدالة المجالية.

غير أن حصر الأولويات لم يُرفق بترتيب المسؤوليات عن إخفاق عدة استراتيجيات وبرامج سابقة رصدت لها ميزانيات ضخمة وآليات استثنائية، دون أن تفلح في تدارك الخصاص البنيوي والخدماتي المهول بالعالم القروي، كبرنامج محاربة الفوارق المجالية والاجتماعية بالوسط القروي (2017-2023)  الذي خُصِّص له 50 مليار درهم دون أن يخضع لتقييم شامل وموضوعي[8].

 

المنظور الجديد للعدالة المجالية: الفرص والمخاطر

أعقب خطاب عيد العرش انعقاد اجتماع استثنائي للحكومة لتحديد الأجندة الجديدة للعدالة المجالية[9]. هو فعلا “استثنائي” ليس فقط من حيث زمن ومكان انعقاده، بل أيضا لترؤسه من قبل وزير الداخلية في إشارة لا تخلو من دلالات، بالنظر إلى طبيعة السياق السياسي المرتبط بالتحضير لانتخابات 2026 التي أُعطيت صلاحية الإِشراف عليها للوزير المكلف بالقطاع بدل رئيس الحكومة.

 كما يشي الأمر باستعادة الدور المحوري لوزارة الداخلية في قيادة البرامج الترابية، على غرار ما كان معمولا به قبل  دستور 2011، حيث كانت تشرف بشكل مباشر على تصميم وتنفيذ برامج تأهيل العالم القروي[10]، والمشاريع الكبرى للتنمية الحضرية[11].إضافة إلى تجربتها في قيادة مخططات التنمية المندمجة (PDI) في صِيغتها الجديدة، التي انطلقت عقب المناظرة الوطنية الأولى حول الجهوية المتقدمة في سنة 2019، عبر العديد من التدخلات المركزة تحت إشراف لجان ولائية وإقليمية.

ما يُرجح هذا النزوع تخصيص حيز مهم لتدارس مداخل الاستجابة لتحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، ضمن أجندة اللقاء السنوي لوزارة الداخلية، الذي نظمته الوزارة في فاتح غشت مع مسؤولي المصالح المركزية والترابية والأمنية، حيث تم التأكيد على توفير الشروط اللازمة لإطلاق تعبئة وطنية مصاحبة للتغيير المرتقب في منهجية التصدي للتفاوتات المجالية وما تطرحه من تأثيرات على توازنات النسيج الاجتماعي[12].

مختلف هذه الإشارات توحي بخص وزارة الداخلية بدور “فوق حكومي” في قيادة استراتيجيات العدالة المجالية، فمن الناحية التوجيهية، لم تُحِل دورية وزارة الداخلية حول الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية  -الصادرة في 15 غشت 2025- على برنامج الحكومة ومخططاتها القطاعية، بل دعت إلى الاستناد بشكل أساسي على النموذج التنموي الجديد كوثيقة عابرة للزمن السياسي مُوجِّهة لبرامج محاربة التفاوتات المجالية[13].  وعلى المستوى الهيكلي، تُظهِر الهندسة المؤسساتية انفلات آليات تدبير وتتبع البرامج المزمع إطلاقها من أي إشراف حكومي.

ميدانيا، أشرف العمال -خلال الفترة الفاصلة بين منتصف أكتوبر ونهاية نونبر 2025 – على تنظيم سلسلة من اللقاءات التشاورية مع الفاعلين الترابيين، كآلية لتشخيص الفجوات وأوجه الخصاص التي يعاني منها كل إقليم. لكن من الناحية العملية، فقد كانت هذه اللقاءات تواصلية أكثر منها تشاركية، فالإيقاع المتسارع لأجندة الإعداد قلَّص من فعلية إشراك المنتخبين في تحديد التوجهات والأولويات.

من حيث الأداء التدبيري، قد يكون لهذا الدور بعض المكاسب، بفعل الشبكة الإدارية الممتدة لوزارة الداخلية وما تملكه من سلطات لتعبئة جهود مختلف الفاعلين ضمن مخطط عمل يستند على أجندة زمنية ومالية مضبوطة، وبحكم تجربتها في الإشراف على التقائية تدخلات كبرى مهيكِلة، كمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وعقود البرامج بين الدولة والجهات. لكن في المقابل، قد يترتب عن هذا الموقع التدخلي تداعيات يصعب تداركها على استحقاقات الديموقراطية الترابية:

  • الأقلمة/الجهوية: لم يحُل التأكيد على مراعاة الخيار الجهوي دون بروز إرهاصات النكوص نحو نزعة “الأقلمة” (provincialisation)، حيث دعت دورية وزارة الداخلية إلى الاعتماد على الإقليم كإطار ترابي كفيل بالتوزيع الأمثل للموارد والمشاريع[14]. بغض النظر عن فعالية التنظيم الترابي الإقليمي في تعزيز منطق القرب في تشخيص الحاجيات وتنسيق وتتبع العمليات، فإن ضعف مراعاة المنظور الجهوي قد يسهم في تكريس التفاوتات فيما بين مراكز الجهات و”هوامشها”.
  • المركزة/التتريب: توحي الإجراءات المرتبطة بالبرامج الجديدة بالإخلال بالحكامة الترابية للتنمية كما أصل لها دستور 2011، باعتماد نمط جديد من المخططات الترابية غير مُؤطَّر بأي نص قانوني، وبتجاوز المبادئ المعيارية التي تؤطر علاقة السلطة المركزية وامتداداتها بالمجالس المنتخبة، كالتفريع والتدبير الحر والمراقبة[15]. كما أن النزعة المضادة لتسييس (Politisation) برامج التنمية الترابية المزمع إطلاقها أثارت مخاوف بعض الأحزاب من تحولها إلى توجه رسمي لنزع البعد السياسي عن التدبير العمومي (Dépolitisation) ولتبخيس الرهان الديموقراطي للامركزية[16].
  • اللامركزية/اللاتمركز: على خلاف مقتضيات القوانين التنظيمية لسنة 2015 ومرسوم اللاتمركز الإداري لسنة 2018، فإن الترتيبات المتعلقة بصياغة وتنفيذ الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية تندرج ضمن مسار “النزع العملي” لصلاحيات تدبير التنمية من الهيئات اللامركزية إلى بنيات اللاتمركز، وخاصة الوحدات الترابية لوزارة الداخلية، التي ستحظى بموقع تنفيذي يتجاوز أدوار التنسيق والمواكبة والمراقبة إلى التدبير المباشر لبرامج التنمية الترابية[17]، وهو ما قد يخل بالتوازن المطلوب بين المستويين اللامركزي واللامتمركز .
  • التخطيط/التجريب: مع متم 2023 سادت حالة من الفراغ في الاستجابة العمومية لتحديات العدالة المجالية، فبالرغم من تعهد رئيس الحكومة بتطوير برنامج محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية بالوسط القروي(PRDST)[18]، فقد اقتصر الأمر على استدراك المشاريع غير المنجزَة. في السياق الجديد، لم تُحدِّد النصوص والتدابير -التي تلت خطاب عيد العرش- الأجندة الزمنية لبرامج التنمية الترابية المندمجة (PDTI) إن كانت ستستغرق المرحلة الانتقالية الممتدة إلى انتخابات 2026 و2027، أم ستمتد إلى 2030 بالموازاة مع ديناميات التأهيل الترابي لمدن المونديال ومحيطها عبر مشاريع البنيات التحتية والخدمات الأساسية[19].

 

مداخل الجيل الجديد لبرامج التنمية

انطوى قانون المالية لسنة 2026 على مصدرين أساسيين لتمويل المشاريع الجديدة لمحاربة التفاوتات المجالية، بإضافة المبالغ الموجهة لتمويل برامج ومشاريع التنمية الترابية المندمجة إلى نفقات الحساب الخصوصي المتعلق بحصة الجماعات الترابية من القيمة المضافة، وبتحويل صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية (FDRZM) إلى صندوق التنمية الترابية المندمجة مع خص هذا الأخير بغلاف مالي قدره 20 مليار درهم يتضمن سقفا للنفقات يبلغ 5 مليارات درهم وترخيصات في الالتزام بقيمة 15 مليار درهم[20]، وبجعل مسؤولية الآمر بالصرف منوطة بوزير الداخلية بدل رئيس الحكومة وما أثار ذلك من صراع داخل الحكومة طيلة مسار إعداد قانون المالية.

وفي جميع الأحوال، فالجماعات الترابية ملزَمة بضخ مساهمات مالية لفائدة هاتين الآليتين[21]، ما يعني أنها ستسهم بكيفية مزدوجة في تمويل الجيل الجديد لبرامج التنمية، وما يعني ذلك من تحجيمٍ لاستقلالها المالي ومن إضعافٍ لقدرتها على أجرأة مخططاتها التنموية، ومن استنزافٍ لمواردها المحدودة في تمويل مشاريع من اختصاص القطاعات الوزارية. الأمر الذي يفترض جعلها شريكا أساسيا في مسار تخطيط وتدبير وتتبع البرامج الجديدة:

  1. التقائية التخطيط الترابي: من حيث طبيعة الاختصاصات، تندرج الأولويات الأربعة ضمن مجال تدخل الحكومة، مما يفرض تبني سياسات تدخلية للحد من أوجه عدم المساواة وتوجيه النمو الاقتصادي لصالح الفقراء بالمناطق المهمشة، لكن بعض هذه المجالات تتمفصل مع اختصاصات الجماعات الترابية، كالتأهيل الترابي والتنمية القروية بالنسبة لمجالس العمالات أو الأقاليم، والتنمية الاقتصادية وتحفيز الاستثمار المنتج للشغل بالنسبة لمجالس الجهات، وتجهيزات القرب الاجتماعي بالنسبة لمجالس الجماعات.

هذا التداخل، يُحتِّم صياغة مخططات جهوية وإقليمية تتمفصل فيها المشاريع الواردة في استراتيجيات القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية، وفي مخططات الجماعات الترابية (التصاميم الجهوية لإعداد التراب، برامج التنمية الجهوية، برامج عمل الجماعات، برامج تنمية العمالات أو الأقاليم)، مع الاستحضار الفعلي لخصوصيات كل مجال ترابي وحاجياته، بدل إجراء تنويعات مجالية محدودة على استراتيجيات مُعدَّة بأدواتٍ ورهاناتٍ مركزية.

  1. التدبير الترابي التعاقدي: يشكل التعاقد الترابي الآلية الأنسب للملاءمة بين أولويات “المركز” وبين متطلبات الديموقراطية الترابية، من خلال صياغة عقود جهوية للتنمية بين الدولة والفاعلين الترابيين لتنفيذ المشاريع الواردة في الاستراتيجيات القطاعية والترابية المستجيبة للتفاوتات المجالية. مع تهيئة الإطار الهيكلي والوظيفي للحكامة العمومية للجيل الجديد لعقود البرامج الترابية وفق ثلاثة مستويات:
  • المستوى الوطني: الارتكاز على المنطق التعاقدي باستبدال المنطق القطاعي التجزيئي بمقاربة متقاطعة وتشاركية في الحكامة الترابية للتنمية، وإحداث لجنة وطنية لمواكبة الجيل الجديد لبرامج محاربة التفاوتات المجالية، تضم في عضويتها إلى جانب ممثلي القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية رؤساء مجالس الجهات.
  • المستوى الجهوي: إحداث لجنة إشراف يُناط بها برمجة المشاريع المُضمَّنة ببرامج التنمية الترابية المندمجة في إطار من التنسيق بين اللجنة الوطنية والمستويات الدنيا، وذلك تحت الرئاسة المشتركة لكل من ولاة ورؤساء الجهات، وبمشاركة ممثلي التمثيليات الإدارية الجهوية والمجالس المنتخبة والمؤسسات والمقاولات العمومية.
  • المستوى المحلي: تشكيل لجان إقليمية للتنسيق تضم إضافة إلى ممثلي الإدارة الترابية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات العمومية، تمثيلية وازنة لمجالس الجماعات ومجالس الأقاليم، على أن يُناط بها اقتراح التدخلات المستجيبة للاحتياجات المحلية ذات الأولوية، وتدعيم الالتقائية بين مختلف الفاعلين وإسناد وتتبع إنجاز المشاريع المبرمجة في إطار العقود الجهوية.

غير أن المسار التعاقدي لا يجب أن يحجب المسؤولية عن الفوارق المجالية، فإذا كانت التفاوتات بين الجهات (interrégionales) من مسؤولية الحكومة، فإن التفاوتات داخل الجهات (intrarégionales) متقاسمة بين القطاعات الوزارية المعنية ومجالس الجهات ووكالات التنمية والمؤسسات العمومية المختصة، في حين تُساءل عن الفوارق تحت الجهوية (infrarégionales) مجالس الجماعات والعمالات والأقاليم فيما يتعلق بالميادين التي تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية، ومختلف السلطات المعنية بالاختصاصات المشتركة والمنقولة.

  1. تقييم تشاركي متمركز حول الأثر: تتوقف فعالية التقييمات على جعلها أكثر تشاركية ومراعاة للأثر الاجتماعي؛ على المستوى المركزي بإصدار تقارير سنوية ودورية للوقوف على التأثيرات الفعلية للمشاريع المنجَزة. أما على المستوى الترابي، فيتعين أن يكون التقييم أكثر تشاركية تماشيا مع مقاربة اللقاءات التشاورية التي أتاحت الفرصة لإشراك الجمعيات المحلية في تشخيص الحاجيات واقتراح البدائل. ويُمكن أن يتم تفعيل التقييم التشاركي، بإشراك ممثلي أصحاب المصلحة بلجان التتبع، وبتصميم منصة موضوعاتية لتلقي الملاحظات ولقياس أثر المشاريع المنجزة انطلاقا من شبكة معايير محددة

 

خاتمة

تَعِد المقاربة الجديدة لتجاوز مغرب السرعتين ببوادر تجديد منهجي في الاستجابة العمومية لتحديات الفجوات المجالية، على نحو قد يعزز التناسق بين المخططات القطاعية وبين البرامج الترابية، بالارتكاز على أرضية برنامجية مُتعالية على الحسابات الانتخابية، وبالتركيز على مشاريع أولوية ذات أثر مجالي واجتماعي سريع.

 لكن تخويل الإدارة الترابية موقعا تنفيذيا في عمليات تصميم وتنفيذ الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية يُهدِّد بتكريس “تدبير ترابي موازي” يتعامل مع المجالس المنتخبة كمجرد “قوة اقتراحية” و”وعاء تمويلي”. الأمر الذي يقتضي اعتماد مقاربة ترابية تنطلق من الخصوصيات والحاجيات المحلية وتنضبط للهندسة الدستورية للحكامة الترابية. في ضوء ذلك، نقترح:

  • صياغة تصاميم جهوية للعدالة المجالية كوثيقة مرجعية للملاءمة بين الاستراتيجيات القطاعية وبرامج المؤسسات العمومية ومخططات عمل الجماعات الترابية.
  • إحداث لجنة جهوية ولجان إقليمية للإشراف على الجيل الجديد لبرامج التنمية تضم تمثيلية متوازنة وفاعلة لرؤساء المجالس المنتخبة والتمثيليات الإدارية والوكالات والمؤسسات العمومية المعنية.
  • إصدار تقارير دورية حول مسار تنزيل المشاريع ورصد المعيقات واستشراف آليات تجاوزها، مع تعزيز البعد الميداني والتشاركي لتعظيم الأثر الاجتماعي.

 

الهوامش

[1] الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025. متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/5fdspbhs

[2] Haut-Commissariat au Plan. Lutte contre la pauvreté, réduction des inégalités sociales et territoriales, développement humain et équité de genre au Maroc : Progrès et défis. Rapport d’étude. Rabat, Maroc : Haut-Commissariat au Plan, septembre 2025.

[3] الإحصاء العام للسكان والسكنى: الخصائص الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للسكان، المندوبية السامية للتخطيط، دجنبر 2024، ص 17.

[4] Royaume du Maroc, ministère de la Santé et de la Protection sociale. Rapport National sur la mise en œuvre de l’ODD-3 au titre de l’année 2024. Rabat : Direction de la Planification et des Ressources Financières, 2024.

[5] الحق في الماء: مداخل لمواجهة الإجهاد المائي بالمغرب، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أكتوبر 2022، ص 20.

[6] Quel avenir de l’eau au Maroc ? L’Institut Royal des Études stratégiques, Rabat, 2022, p .10.

[7] مذكرة توجيهية لرئيس الحكومة حول إعداد مشروع قانون المالية للسنة المالية 2026، 8 غشت 2025، ص 63.

[8] Abdessalam Saddiki, Plaidoyer pour un développement territorial, prélude à l’activation de l’ascenseur social, ecoactu.ma, 4 septembre 2025. https://tinyurl.com/5xbddm2v

[9] Mohamed Jemâa, Développement territorial : réunion de coordination à Tétouan, Medias24, 02/08/2025.https://tinyurl.com/5f3jurs8  

[10] يتعلق الأمر بحزمة من البرامج الوطنية ذات البعد المجالي تم إطلاقها منذ منتصف التسعينات: البرنامج الوطني للطرق القروية (PNRR)، وبرنامج الكهربة القروية الشاملة (PERG)، والبرنامج الوطني لتزويد العالم القروي بالماء الشروب (PAGER).

[11] برامج متعددة السنوات للتأهيل الحضري، على غرار برنامج طنجة الكبرى (2013- 2017) وبرنامج الرباط مدينة الأنوار (2014- 2018) وبرنامج التنمية الاقتصادية والحضرية لمدينة تطوان (2014- 2018) وبرنامج التنمية الحضرية لأكادير (2024-2018).

[12] محمد عادل التاطو، لفتيت يجمع القيادات الأمنية والعسكرية لتنزيل خطاب “العرش”.. الأمن والانتخابات على رأس الأولويات، العمق المغربي، 1 غشت 2025. متاح على الرابط التالي: https://al3omk.com/1089961.html        

[13] Mohemmed Amine, Développement territorial intégré: une nouvelle génération de programmes en vue, Challenge, 18 août 2025. https://tinyurl.com/4ybuwjcz

[14] Circulaire n° 1300/CAB du ministre de l’Intérieur portant sur l’élaboration d’une nouvelle génération de programmes de développement territorial intégrés, 15 août 2025, p.2.

[15] بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بخصوص المقاربة الحكومية لإعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، 18 غشت 2025. متاح على الرابط التالي:  https://tinyurl.com/4jnhh3xw

[16] Mémorandum du Parti du Progrès et du Socialisme sur la réforme du Code général des élection, 28 août 2025. https://pps.ma/fr/9647/

[17] مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية، أكتوبر 2025، ص 63

[18] حصيلة مجلس المستشارين خلال السنة التشريعية 2022-2021 ، الكتاب الثاني: مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، 2022، ص 42.

[19] مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار، مشروع قانون المالية لسنة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية، أكتوبر 2025، ص 2.

[20] مذكرة تركيبية حول الأثر الميزانياتي لأهم السياسات العمومية برسم مشروع قانون المالية لسنة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية، مديرية الميزانية، دجنبر 2025، ص 8.

[21] المادتان 15 و16من قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026، الجريدة الرسمية عدد 7465 مكرر، 16 دجنبر 2025.

عبد الرفيع زعنون

عبد الرفيع زعنون

باحث في القانون العام والعلوم السياسية، له مشاركات في العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية وفي عدة مجلات محكمة وكتب جماعية، صدر له كتاب "تدبير التنمية الترابية بالمغرب: دراسة مقارنة"، كما ساهم في تأطير تكوينات متخصصة لفائدة الطلبة الباحثين والفاعلين المدنيين ومنتخبي وموظفي الجماعات الترابية.