تواجه الجمعيات ضغطا ضريبيا يضعف التحفيزات الكفيلة باستدامة ماليتها وأنشطتها، وهو ما يقتضي مراجعة السياسة الضريبية القائمة ووضع نظام يراعي خصوصية الجمعيات، القائمة على ممارسة أنشطة غير هادفة للربح.
تقديم
رغم الزخم المطلبي[1] الذي برز في السنوات الأخيرة من أجل تعديل النظام الجبائي للجمعيات، فإن الأخير يضع النسيج الجمعوي داخل وضعية هجينة؛ فمن جهة يُنتظر منه أداء وظائف اجتماعية وتنموية ذات منفعة عامة، ومن جهة أخرى يُعامل جبائياً وفق منطق الفاعل الاقتصادي التجاري. وتنتج عن هذه الازدواجية آثار مباشرة على الاستدامة المالية، إذ تجد الجمعيات نفسها مطالبة بتوسيع أنشطتها وتأهيل مواردها البشرية لضمان الاستمرارية، دون أن تستفيد في المقابل من إطار ضريبي يعترف بخصوصية هذا الدور.
أولا: أسس السياسة الضريبية الموجهة للجمعيات في المغرب
ورغم تكريس الظهير المنظم للحق في تأسيس الجمعيات (1958) للطابع اللاربحي[2]، تخضع الجمعيات للضريبة على الشركات بموجب المادة 2 (الفقرة 3) من المدونة العامة للضرائب، تأسيساً على”المعيار المادي” الذي يتبناه المشرع لضمان عدم التهرب الضريبي. ويظل الإعفاء[3] رهيناً بإثبات الصفة غير الربحية عبر ثلاثة محددات تراكمية: التدبير غير التجاري، غياب المنافسة للقطاع الخاص، واختلاف شروط المزاولة عن منطق المقاولة (المنتوج، المستهلك، السعر، الإشهار). ومع ذلك، يبقى إثبات هاته العناصر معقدا على المستوى العملي، ومن مثل ذلك صعوبة تحديد وقياس مفهوم التدبير غير التجاري والفصل من خلاله بين الفائض الذي تحققه الجمعية لإعادة استثماره في أهدافها، وبين الربح الذي يمنع القانون إعادة توزيعه بين أعضائها، ونفس الأمر ينطبق على مفهوم المنافسة، مما يمنح للإدارة الضريبية -في ظل غياب مؤشرات واضحة- سلطات تقديرية واسعة لتقرير تحقق الشروط المذكورة أو انتفائها. هذا الوضع، ينتج “هشاشة مؤسساتية” بالنسبة للجمعيات، بحيث تصبح مبادراتها ومشاريعها في قبضة “تأويل” الإدارة الضريبية، مما يهدد استقرار الحياة الجمعوية نتيجة المراجعات الضريبية التي قد تحدث أحيانا بشكل فجائي.
لا يقتصر العبء الضريبي بالنسبة للفاعل الجمعوي في المغرب على الضريبة على الشركات، بل يمتد ليشمل أشكال امتثال أخرى من ‘الضرائب الخفية’ على المجتمع المدني. وتأتي الضريبة على القيمة المضافة كأبرز تمظهرات هذا العبء؛ فحين تُعامل الجمعية كـ’مستهلك نهائي’ وتُحرم من آلية استرجاع الضريبة كالمقاولات، تتحول الضريبة على القيمة المضافة إلى كلفة أخرى تُقتطع مباشرة من ميزانيات البرامج التنموية. ويتضاعف هذا الأثر بفعل تراكم التزامات أخرى: كاقتطاع 30% من الأجور من المنبع، وحقوق التسجيل والتمبر، والرسوم المحلية. إن كل هذا الأثر التراكمي يستنزف الجمعيات في بنيتها المالية والإدارية الهشّة.
زيادة على ما سبق، تكون الجمعيات خاضعة لمجموعة من الالتزامات الضريبية (سواء كانت خاضعة للضريبة أو معفية)، وذلك من مثل مسك محاسبة طبقا للنظام المحاسبي المعمول به، كما تكون الجمعية ملزمة بإثبات عملياتها في فواتير قانونية، أما الالتزامات المتعلقة بالإقرارات فتشمل :التصريح بالتأسيس، الإقرار بالحصيلة الجبائية، الإقرار الإلكتروني… إلخ[4].
في هذا السياق، تُظهر الممارسات الدولية الرائدة أن الاتجاه التشريعي المعاصر يتجاوز مفهوم ‘الحياد الضريبي الجاف’ نحو ‘ملائمة الإطار الضريبي مع خصوصية العمل الجمعوي ذي الأهداف اللاربحية، ويتجلى ذلك في سماح تشريعات بلدان مثل فرنسا .للجمعيات بإنجاز أنشطة ربحية ثانوية بسقف مالي محدد (76,679 يورو) [5]، ونفس الأمر في القانونيين الفنلندي والأدربيجاني[6]، بينما يتوسع القانون السويدي في منح التفضيلات بناءً على المجالات (البيئة، الثقافة، الصحة…)[7]. وتؤكد معايير الأمم المتحدة على ضرورة إقرار معاملة ضريبية خاصة للجمعيات تمييزاً لها عن الشركات[8]. وفي المقابل، يفتقر الإطار التشريعي المغربي لنظام يراعي خصوصية القطاع الجمعوي، مع تسجيل دور محتشم للقضاء في تحقيق العدالة الضريبية للمنظمات غير الربحية.
تنعكس أسس النظام الضريبي المغربي المتبنى حاليا بشكل مباشر على العمل الجمعوي[9] من حيث استدامة عمله واستمرارية أنشطته واستقرار ماليته، حيث يبرز تحدي “الازدواجية الوظيفية” كأهم عائق يواجه القطاع الجمعوي؛ ذلك أن التعارض البنيوي بين النظام الضريبي الحالي وطبيعة العمل غير الربحي. ومن ثم التنازع بين منطق الخدمة الاجتماعية وضوابط السوق، يؤدي إلى إثقال كاهل الجمعيات، مما يهدد استدامتها المؤسساتية ويدفع تدريجياً إلى تلاشي الهيئات غير القادرة على مسايرة المقتضيات الضريبية الإجبارية[10].
ثانيا: تحديات سياسة تضريب الجمعيات
في ظل غياب أي إصلاح ضريبي شمولي ذي صلة بالجمعيات كما دعت لذلك مجموعة من تقارير المؤسسات الوطنية المستقلة (مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي)؛ يبرز في السياق المغربي التعامل الانتقائي للقانون الضريبي مع الجمعيات بشكل يتصادم مع المعايير الدولية لحرية الجمعيات[11]، وكمثال على ذلك، أن الحوافز الضريبية الممنوحة للجمعيات تبقى محصورة –بالإضافة لبعض فئات الجمعيات المهتمة بقضايا الإعاقة والصحة والأعمال الاجتماعية والرياضة- في الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة[12]، مع العلم أن عدد هاته الجمعيات يبقى ضئيلا بسبب تعقيدات مسطرة منح الصفة، حيث تبين آخر المعطيات المتاحة أن عددها هو 257 جمعية[13]من أصل 200 ألف جمعية[14] وفق بعض التقديرات[15].
ويواجه القطاع الجمعوي معضلة أخرى مرتبطة بغياب ‘تصنيف قانوني رسمي شفاف وواقعي، رغم توصيات الحوار الوطني بإنشاء ‘سجل وطني’، وهو ما يربطه فاعلون باختلال العدالة الضريبية. ويتفاقم هذا الوضع بعدم مراعاة النظام الضريبي لمتطلبات التشغيل الجمعوي[16]؛ فرغم مساهمة القطاع بـ 170 ألف منصب شغل بدوام كامل[17] (حسب البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط، 2019)، يغيب أي تحفيز ضريبي للمنظمات المشغلة (مثل تخفيض ضريبي جزافي تماشيا مع توصية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) ، مما يقوض استدامة التشغيل ويضعف الأدوار التنموية للجمعيات. وتعتبر ندرة البيانات الرسمية حول حجم أجراء القطاع الجمعوي المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وطبيعة عقودهم (تقليدية أو صيغ بديلة) تحدياً كبيراً أمام صياغة سياسات عمومية فعالة.
في هذا السياق؛ يتعين على السلطات الحكومية وضع إطار ضريبي تحفيزي يراعي الخصوصية غير الربحية للجمعيات، من خلال إقرار إعفاءات من الضريبة على الدخل للجمعيات التي لا يتجاوز عدد أجرائها حداً قانونياً معيناً، وذلك بسبب حالة الهشاشة المالية البنيوية التي تطبع أغلب المنظمات في الوقت الراهن؛ حيث تفتقر بنياتها المادية والتدبيرية للقدرة على استيعاب كلفة التشغيل الدائم والشامل.
وتبرز الحاجة أيضا إلى إعادة النظر في معايير الدعم العمومي لتشمل وجوباً تغطية مصاريف التسيير والأجور لضمان استدامة الوظائف؛ وذلك في تلازم تام مع مأسسة الحقوق الاجتماعية للأجراء والتصريح الإجباري بهم لدى صناديق الضمان الاجتماعي، بما يضمن التوازن بين تخفيف العبء المالي عن الجمعيات وصون كرامة العاملين الجمعويين[18].
وأخيرا، يواجه العمل الجمعوي تحديات بنيوية مزدوجة؛ فمن جهة، يحد غياب التحفيزات الضريبية الشاملة للمانحين من فرص التمويل المستدام و”يخنق” المبادرات المدنية. ومن جهة أخرى، تتفاقم الهشاشة القانونية للنسيج الجمعوي بسبب ضعف الوعي الجبائي، حيث يؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي[19] وقوع أغلب الجمعيات في فخ عدم الانتظام الضريبي لاعتقادها الخاطئ بالإعفاء من واجب التصريح.
ثالثا: تعقيدات إصلاح السياسة الضريبية للجمعيات
يصطدم مسار إصلاح السياسة الضريبية للجمعيات بتعقيدات بيروقراطية ومقاومة مؤسساتية؛ حيث يتذرع جزء من الفاعل الرسمي بالحفاظ على التوازن المالي[20] وتجنب إهدار المال العام[21]، وذلك في ظل غياب بيانات إحصائية دقيقة وشفافة حول حجم الإيرادات الضريبية المتأتية من القطاع الجمعوي. ورغم هذا التحفظ، برزت سابقا مبادرات إصلاحية رسمية مناقضة للتوجه الرسمي النافذ في المسألة الضريبية (أي وزارة المالية والإدارة الضريبية)، من داخل البرلمان والقطاع الحكومي المكلف بالعلاقات مع المجتمع المدني، تجسدت في مقترحات لإعفاء التمويلات العمومية من الجبايات، وتطوير وثائق مرجعية مثل ‘خطة الوزارة للنهوض بالدعم العمومي التي تضمنت العديد من المقترحات حول تمتيع الجمعيات بإعفاءات جبائية وضريبية في سياق التمويلات العمومية المقدمة للجمعيات [22]، إلا أن كل تلك المقترحات ظلت مجرد طموحات أكثر منها توجهات رسمية قابلة للتطبيق، كما أن غياب إرادة سياسية نافذة وواضحة في إطار شمولي أجهض المحاولات الإصلاحية المذكورة.
وضمن مستوى آخر؛ شهد المسار الترافعي لإصلاح السياسة الضريبية للجمعيات ثلاث محطات بارزة منذ 2013: الحوار الوطني حول المجتمع المدني، دينامية الرباط[23]، ومبادرة ‘ميرلا (MERLA)وتنفرد الأخيرة باستمرارية الترافع عبر تقديم مذكرات سنوية تزامناً مع مناقشات قوانين المالية[24]؛ إلا أن أثرها الميداني لا يزال محدوداً بسبب ضعف القدرات التواصلية ومحدودية الامتداد داخل النسيج الجمعوي، مما أدى إلى ضعف النتائج الترافعية المحققة حتى الآن[25]. ومع ذلك، تكتسي هذه المبادرات أهمية بالغة في السياق المغربي بالنظر إلى دورها في تأسيس “وعي بمظلومية ضريبية” مشتركة لدى الفاعلين الجمعويين. كما تعكس مساراً تراكمياً يحاول استيعاب دروس الماضي وتطوير الخطاب الترافعي، انتقالا من مقاربات سياقية شمولية نحو خطاب تقني وقانوني محدد.
من هنا يتبين أنه رغم بعض الإصلاحات المحدودة للإطار الضريبي للجمعيات، من مثل تضمن قانون المالية لسنة 2021 لبعض التحفيزات الضريبية على مستوى الضريبية على الدخل[26]، بعد لقاءات مكثفة لائتلاف ميرلا مع ممثلي الفاعلين الحكومي والتشريعي، إلا أن كل ذلك ظل محدودا ومؤقتا، مما يستدعي استدامة الإصلاحات الضريبية للجمعيات، تدعيما لقدراتها المالية وتحقيقا لحرية الوسائل الجمعوية، أسوة بالإصلاحات القانونية الضريبية التي عرفتها بعض المجالات الجمعوية مثل التطوع التعاقدي (إعفاء الهبات الممنوحة في إطار أنشطة التطوع التعاقدي من الضريبة بموجب المادة 34 من القانون رقم 06.18 المتعلق بتنظيم العمل التطوعي التعاقدي).
رابعا: الإصلاح الضريبي في السياق الجمعوي: آية سيناريوهات مستقبلية؟
يستند استشراف مستقبل السياسة الضريبية للجمعيات في المغرب إلى مجموعة من مؤشرات التحول الراهنة، وأبرزها:التوجهات الاستراتيجية للدولة: وتتمثل في مخرجات “النموذج التنموي الجديد” الذي يطمح في أن تتحول الجمعيات إلى فاعل مشغل – الضغط السوسيو-اقتصادي: ويتجسد في تزايد الحاجة لإضفاء الطابع الاحترافي على القطاع الجمعوي/ الثالث لاستيعاب الكفاءات والإسهام في تقليص حجم البطالة – دينامية الترافع المدني من خلال بروز مبادرات مدنية تخصص جهودها لموضوع العدالة الجبائية في السياق الجمعوي ضمن مذكراتها وأعمالها المطلبية المرفوعة للفاعلين الحكوميين والبرلمانيين.
انطلاقاً من هذه المؤشرات، يمكن استشراف مستقبل الإصلاح وفق ثلاث مسارات متداخلة: يبرز المسار الأول في “الإصلاح الشامل” الذي يطمح لمأسسة نظام ضريبي مستقل يستوعب خصوصية العمل الجمعوي، وهو مسار يظل رهيناً بظهور قيادة سياسية ومدنية قوية (ائتلافات جمعوية وازنة وأحزاب تتبنى الملف في المؤسسة البرلمانية) تتجاوز محدودية الديناميات الحالية. وتتمثل الأداة القانونية لهذا المسار في تعديل تشريعي شامل للمدونة العامة للضرائب بالبرلمان، تحت إشراف وزارة الاقتصاد والمالية بالتنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالعلاقات مع المجتمع المدني، على أن يُقاس أثر ذلك بمؤشر نسبة إسهام القطاع الجمعوي في الناتج الداخلي الخام.
وبموازاته، يظهر المسار الثاني الأكثر حظاً وهو “الإصلاح الجزئي التراكمي”، الذي يتبنى براغماتية واقعية تنهض على التفاوض بخصوص ملفات فئوية محددة (كالإعفاء من الضريبة على الدخل للأجراء)، محولاً إياها إلى مكتسبات مرحلية تكسر حدة الجمود، وتتحدد أداتها القانونية من خلال استدامة إدراج تدابير تحفيزية ضمن قوانين المالية السنوية وتفعيل نصوص تنظيمية، تحت مسؤولية القطاع المكلف بالاقتصاد والمالية والوزارات المعنية بالقطاعات الاجتماعية (التعليم، الصحة، الشغل…)، على أن يُقاس أثرها بمؤشر عدد الجمعيات الصغرى والمتوسطة المصرحة بالأجراء والمستفيدة فعلياً من الإعفاء من الضريبة على الدخل.
أما المسار الثالث، فهو المتمثل في “استدامة الوضع القائم”، فبالإضافة إلى كونه يكرس العقم الإصلاحي، فإنه أيضا يبقى مساراً مثيرا للقلق؛ إذ ستجد الحكومة نفسها مدفوعة بضرورة الحفاظ على انسجام خطابها السياسي لتقديم تنازلات إصلاحية (ولو دنيا) لتفادي تلاشي القطاع الجمعوي. وتتوخى هذه الحزمة عقلنة الإطار الحالي عبر إيجاد قنوات مؤسساتية للامتثال الضريبي دون تعديل شامل للمنظومة الضريبية؛ وتتحدد أداتها القانونية في إصدار نصوص تنظيمية لتسهيل مساطر الإعفاء الحالية، تحت مسؤولية مشتركة لقطاعات: الداخلية، الاقتصاد والمالية، العلاقات مع المجتمع المدني، على أن يُقاس أثر ما سبق بمؤشر انخفاض معدل المراجعات الضريبية الفجائية ضد الجمعيات وتزايد الوعي الضريبي لدى المكون الجمعوي.
خامسا: إصلاح السياسة الضريبية للجمعيات
وتبقى الرؤية الإصلاحية المبنية على منطق التدرج الأكثر ملائمة للسياق المغربي، وهي المقاربة التي تنتقل من معالجة المعيقات الإجرائية التقنية ذات الطبيعة الآنية إلى بناء نظام ضريبي للجمعيات شامل ومتكامل، وذلك عبر ثلاثة تدابير مترابطة:
أولاً: على المدى القريب.. السيادة القانونية والتحفيز الاستعجالي
يستوجب المدخل الإصلاحي ذي الطبيعة الاستعجالية؛ معالجة التعقيدات الإدارية التي تعيق العمل اليومي للجمعيات، وذلك من خلال تفعيل إعفاءات فورية من واجبات التسجيل والتمبر لتخفيف الأعباء المالية عن المبادرات الجمعوية، مع إقرار تخفيضات في نسب الاقتطاع الضريبي على الأجور. وذلك لأجل تحفيز الجمعيات على التصريح بالأجراء وتوسيع قاعدة الوعاء الضريبي مستقبلاً عبر إعتماد مبدأ الاحترافية. وبالموازاة مع ذلك، يتعين توسيع نطاق الخصم الضريبي للمانحين (الأفراد والشركات) ليصل إلى مستويات تنافسية، مما سيعزز التمويل الوطني الذاتي ويقلل الارتباط بالمنح الخارجية، شريطة ربط ذلك ببرامج وطنية لتقوية القدرات الجبائية للفاعلين المدنيين لضمان الالتزام الطوعي.
ثانياً: على المدى المتوسط… الملاءمة الضريبية والنشاط السوسيو-اقتصادي
في مرحلة ثانية، ينبغي الانتقال نحو تحصين النموذج الاقتصادي للجمعيات عبر وضع معايير ومؤشرات عملية دقيقة تفرق بين الربح التجاري وبين “الأنشطة المدرة للدخل” الهادفة للتمويل الذاتي البديل، وهي مؤشرات لا تقتصر على الشرط الكمي في تقييم حجم المعاملات فحسب، بل تمتد لنوعية الأنشطة عبر ضبط طبيعة المستفيدين، واعتماد الأسعار التضامنية، ونمط توزيع الموارد. وتطرح الورقة هنا ضرورة تبني “سقف معاملات” معفى من الضرائب للأنشطة الثانوية، استرشاداً بالنماذج الدولية الناجحة، ومع مراعاة تبسيط هذه المساطر لضمان جاهزية الإدارة الجبائية وقدرتها التقنية على التطبيق، ويترافق هذا المسار مع الحاجة إلى مراجعة قواعد التحفيز الضريبي لإنهاء التمييز بين الجمعيات حسب طبيعتها القانونية (عادية/منفعة عامة).إن هذا المسار كفيل بضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الموارد، ويهيئ القطاع الجمعوي للانتقال إلى منطق المساهمة الفاعلة في التنمية المستدامة.
ثالثاً: على المدى البعيد… الإصلاح الهيكلي والممأسس
يتعين أن يتوج المسار الإصلاحي بـ إعادة صياغة العلاقة المؤسساتية بين الدولة والقطاع الجمعوي، من خلال تحقيق انسجام منطقي وعملي بين المدونة العامة للضرائب والقوانين الجمعوية لإنهاء المقاربات التجزيئية. ويتطلب هذا التحول الاستراتيجي توحيد النظام المحاسباتي الجمعوي وملاءمته مع المعايير الضريبية الدولية، وهو إجراء طموح يستلزم كلفة زمنية وتقنية عالية، لكنه يمثل الضمانة الوحيدة للشفافية. ويُقترح في هذا الصدد التفكير في إحداث آلية وطنية مستقلة (على نمط هيئات التقنين) لمواكبة الشؤون المالية والضريبية للجمعيات انسجاما مع المعايير الدولية لمراقبة الجمعيات، وذلك لضمان الحكامة في تتبع الإعفاءات ومنع أي استغلال للعمل الجمعوي لأغراض التملص الضريبي، مع العمل على إذكاء الوعي الضريبي وإنتاج بيانات رسمية حول الضريبة في السياق الجمعوي.
الهوامش
[1]. تزامن إعداد هذه الورقة مع إطلاق كل من “ائتلاف ميرلا” والجمعيات المنضوية تحت “دينامية إعلان الرباط” مشاوراتهما بمدينة الرباط، وذلك من أجل المصادقة على “ميثاق استراتيجية العمل المشترك لحركات المجتمع المدني من أجل منظومة قانونية ومالية وجبائية منصفة للجمعيات”. للمزيد حول هذا الميثاق ينظر الرابط التالي:
https://bawaba.org/%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2
تمت المشاهدة بتاريخ: 08_05_2026
[2] . تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول وضع ودينامية الحياة الجمعوية، إحالة ذاتية رقم 28/2016، ص: 54-55-56-57
[3] . المرجع السابق، ص: 54-55-56-57
[4] . ينظر:
مذكرة الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني حول النظام الضريبي المطبق على جمعيات المجتمع المدني، ص: 9-10-11،الرابط الإلكتروني التالي:
https://www.mcrpsc.gov.ma/%D8%A5%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[5] . Quelle fiscalité pour une association ?, legalplace, Consultez le lien suivant:
https://www.legalplace.fr/guides/fiscalite-association
Historique de visionnage: 28-02-2026
[6]. مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول حرية الجمعيات بالمغرب، دجنبر 2015، ص: 27
[7]. تسجيل جمعيات المجتمع المدني دليل القوانين الرئيسية من 10 دول من أوروبا ومنطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، المركز الأوروبي للقوانين غير الربحية، 2018،، ص: 108-109
[8]. مذكرة بشأن تحسين البيئة القانونية الخاصة بالوضعية الجبائية للجمعيات بالمغرب، حركة مبادرات من أجل إصلاح المنظومة القانونية للجمعيات بالمغرب. 2018
[9]. أحمد أرحموش، المحيط القانوني للجمعيات بالمغرب دراسة تقييمية ببدائل ومسارات ترافعية”، الجمعية المغربية للتضامن والتنمية بتعاون مع وكالة التنمية الأمريكية، ص: 67-68-69
[10]. استُقيت هذه المعطيات من نتائج المقابلات الميدانية (مارس-أبريل 2026) التي أجريت مع 11 مشارك من الفاعلين الجمعويين والخبراء والأكاديميين والمسؤولين الحكوميين، والمتوزعين جغرافيا على جهات: الرباط سلا القنيطرة – فاس مكناس – الدار البيضاء سطات، وتركزت محاور المقابلات حول القضايا التالية: الفاعلون في السياسة الضريبية – الموقف من مبدأ الحياد الضريبي – تضارب القوانين – التصنيف القانوني للجمعيات – التشغيل الجمعوي والضريبة – مدى مساهمة المشاركين في مبادرات ترافعية لتعديل النظام الجبائي للجمعيات.
[11]. تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات ماينا كياي، تعزيز وحماية جميع حقـوق الإنـسان، المدنيـة والـسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية، الدورة العشرون لمجلس حقوق الإنسان، 2012، ص: 23-24. الرابط الإلكتروني:
https://docs.un.org/ar/A/HRC/20/27
تمت المشاهدة بتاريخ: 15/05/2026
[12]. ينظر:
تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية حول “استدامة منظمات المجتمع المدني لعام 2012 لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، ص: 38
مذكرة بشأن تحسين البيئة القانونية الخاصة بالوضعية الجبائية للجمعيات بالمغرب، مرجع سابق.
[13] . ينظر الرابط التالي:
https://al3omk.com/1113909.html
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[14] . ينظر الرابط التالي:
https://www.gouvernement-ouvert.ma/pan-engagement.php?engagement=13&lang=ar
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[15]. تظهر نتائج المقابلات الميدانية انقساما في الموقف حول التمييز الضريبي، فبينما اعتبره البعض تمييزا غير عادل، يذهب آخرون إلى أنه لا يطرح أي مشكل كبير، وأن الإشكالية تكمن في تعقيدات مسطرة الحصول على صفة المنفعة العامة نفسها.
[16]. تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بعنوان الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة لنمو مدمج، إحالة ذاتية رقم 19/2015، ص: 71 – 72
[17]. ينظر: البحث الوطني لدى المؤسسات غير الهادفة للربح -2019- ملخص النتائج الأولية، المندوبية السامية للتخطيط، 2021، على الرابط الإلكتروني:
https://www.hcp.ma/file/238959/
تمت المشاهدة بتاريخ: 26/04/2026
[18]. توصية مستقاة من المقابلات الميدانية.
[19]. تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مرجع سابق، ص: 54-55-56-57
[20]. ينظر: الجمعيات بالمغرب… إكرهات مالية وضريبية تضيع فرص المساهمة في التنمية، أمزان 24، 6 يوليوز 2021، الرابط الإلكتروني التالي:
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[21]. ينظر: الحكومة ترفض تقديم هدايا ضريبية للجمعيات: “هدر للمال العام”، هسبريس، 16 نونبر 2022، الرابط الإلكتروني التالي:
https://www.hespress.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[22]. خطة الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني للنهوض بالدعم العمومي لجمعيات المجتمع المدني، المملكة المغربية، شتنبر 2019، ص: 25
[23]. دينامية إعلان الرباط من أجل حركة جمعوية قوية ومستقلة، بوزنيقة، 1 دجنبر 2013، ص: 58
[24]. ينظر:
-حملة ترافعية للجمعيات بالبرلمان من أجل تعديل المادة 7 من مشروع مالية 2019 ،الرابط الإلكتروني التالي:
https://share.google/HyVhVoTJqfutC7sEw
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
-مذكرة تعديلية لمشروع القانون رقم 65.20 للسنة المالية 2021 ، الرابط الإلكتروني:
https://share.google/diDTCVWQFJbw54Swo
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
-حملة ترافعية لإلغاء ضريبة الشركات على الجمعيات في قانون المالية في المغرب، المفكرة القانونية، 28-11-2018، الرابط الإلكتروني التالي:
https://legal-agenda.com/%D8%AD%D9%85%D9%84%
تاريخ المشاهدة: 28-02-2026
[25]. تبين نتائج المقابلات الميدانية أن 40 في المائة من المشاركين (أغلبهم من الفاعلين الجمعويين) كانت لهم تجارب ترافعية سابقة بخصوص تعديل النظام الضريبي للجمعيات، إما ضمن مبادرة MIRLA او ضمن دينامية إعلان الرباط أو الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية، أغلب هؤلاء عبروا عن فشل المبادرات التي شاركوا فيها سابقا، بعضهم أرجع سبب الفشل إلى مقاومة بعض مؤسسات الدولة، بينما ذهب البعض الآخر إلى أن السبب هو عوائق ذاتية كامنة في المبادرات الترافعية نفسها (غياب الاستمرارية الترافعية، ضعف التواصل، تفاوت الاهتمامات والأهداف).
[26]. ظهير شريف رقم 1.20.90 صادر في فاتح جمادى الأولى 1442 (16 ديسمبر 2020) بتنفيذ قانون المالية رقم 65.20 للسنة المالية 2021
سفيان الكمري
حاصل على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة الحسن الأول سطات.



