نظام المقاصة: الإصلاح الذي لم يكتمل

نظام المقاصة: الإصلاح الذي لم يكتمل

سلمى صدقيسلمى صدقي1 يوليو 20214min14050
تعطلت المرحلة الثانية من إصلاح صندوق المقاصة بسبب أعطاب المرحلة الأولى التي شملت تحرير سوق المحروقات

تعطلت المرحلة الثانية من إصلاح صندوق المقاصة بسبب أعطاب المرحلة الأولى التي شملت تحرير سوق المحروقات

 

 

تحميل المقال

 

مقدمة

قامت الحكومة المغربية سنة 2015 بتحرير كامل لأسعار المحروقات كمرحلة أولى لإصلاح نظام المقاصة، وكان الهدف من هذه الخطوة تخفيف العبء على ميزانية الدولة بعد ارتفاع متواصل لنفقات المقاصة منذ الأزمة المالية العالمية لسنة 2008. كان الهدف أيضا هو المضي في اتجاه دعم أكثر إنصافا لجميع الشرائح الاجتماعية المحتاجة، غير أن الخطوة الأولى للإصلاح، وإن حققت هدفها بتخفيف العبء على المالية العامة، فإنها لم تتمكن من في تحقيق الإنصاف لأن الاستهداف شمل كبار الفاعلين في سوق المحروقات بدلا من المواطن.

أما فيما بخص المرحلة الثانية من الإصلاح، المتعلقة بتحرير أسعار مواد أكثر استهلاكا من طرف الطبقات الفقيرة والهشة فهي متعثرة لأسباب تقنية وأخرى سياسية. ستفسر هذه الورقة أسباب تعثر المرحلة الثانية من إصلاح صندوق المقاصة، وذلك في علاقتها بالمرحلة الأولى من الإصلاح.

وقد برز مشكل الدعم الحكومي لصندوق المقاصة إبان الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في سنة 2008 وارتفاع سعر برميل النفط في الأسواق العالمية ليصل ذروته سنة 2009 بأكثد من 140 دولارا للبرميل، وهو سعر غير مسبوق في السوق الدولية، كما عرفت أسواق المواد الأساسية ارتفاعا مهولا للأسعار كانعكاس لهذه الأزمة العالمية. وبسبب إستيراد  المغرب لأكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، فإن تغير الأسعار في الأسواق العالمية أدى الى إرتفاع نفقات صندوق المقاصة التي تدعم المواد البترولية وبعض المواد الأساسية، وإلى انخفاض احتياطي ميزان الأداءات وارتفاع نسبة عجز المالية العامة وانهيار التوازنات الماكرواقتصادية للدولة.

أعادت هذه الوضعية طرح سؤال قديم جديد في واجهة النقاش العمومي: ألم يحن الوقت بعد لإصلاح نظام المقاصة؟ وترتبط مشروعية هذا السؤال دائما بنوع الاستهداف الذي يتبعه نظام المقاصة بالمغرب، وهو استهداف لا يستثني أي شريحة اجتماعية حتى تلك غير المستحقة، ما يحيد النظام عن دوره المفترض في إعادة التوزيع وفي تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى كون أكثر من 42% من نفقات صندوق المقاصة تذهب الى الشرائح الغنية (13%) وأن الفئات الفقيرة المعنية بالدعم لا تستأثرإلا ب 7% من هذه النفقات[1].

من ناحية أخرى، وباستهدافه لجميع الشرائح الاجتماعية، فإن صندوق المقاصة يساهم في تحقيق السلم الإجتماعي، بتمكين الفئات الهشة والفقيرة من الولوج إلى الدعم وتلبية احتياجاتها من المواد الأساسية، ما جعل الحكومات المتعاقبة تتريث في وضع الصندوق على سكة الإصلاح، خصوصا مع تنامي الفوارق الاجتماعية والمجالية رغم جهود الدولة لمحاربة الفقر. هذا التريث ربما كان أيضا نتيجة لتخوف الحكومات المتعاقبة خلال العقد الأخير من آثار حذف نظام المقاصة على السلم الإجتماعي، في عقد طبع بتنامي الاحتجاجات الاجتماعية وتغير أشكالها.

في متم سنة 2015 ستنفذ الحكومة المغربية أول مرحلة من إصلاح صندوق المقاصة بتحرير كامل لأسعار المحروقات. هذا الاصلاح يأتي في سياق اقتصادي وإجتماعي يتسم بتراكم تجربة مهمة فيما يخص السياسات الإجتماعية المستهدفة للفقراء. هذه السياسات التي انطلقت مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ورغم أنها لم تحقق كل الأهداف المرجوة منها، إلا أنها ساهمت نسبيا في تخفيف وطأة الفقر وفي تحسين مؤشراته. وبالتالي أصبح من الممكن تعويض الدعم المقدم في إطار نـظام المقاصة بسياسات مستهدفة للفقراء بصفة مباشرة.

لا بد أيضا من الإشارة إلى أن الحديث عن ضرورة إصلاح صندوق المقاصة بدأ مع تنامي عبء الدعم على المالية العامة منذ الأزمة المالية لسنة 2008. فإرتفاع نفقات المقاصة بعد الأزمة العالمية دفع صناع القرار في المغرب إلى التفكير في أفضل السبل لتقديم الدعم وفي نفس الوقت تخفيف العبء على ميزانية الدولة. و هنا ظهرت مقاربتان: الأولى تذهب في اتجاه تقديم الدعم العام الذي يستهدف جميع الفئات (subvention universelle) والثانية تدعو إلى الإستهداف المباشر للفقراء بكل ما يتطلبه من موارد مالية وبشرية، ولوجستيكية. وهنا لا بد من الإشارة الى أنه من بين مزايا الدعم المباشر خاصة التحويلات النقدية، مقارنة مع الدعم العام، هو إمكانية قياس أعبائه على ميزانية الدولة بشكل أكثر دقة.

يأتي إصلاح صندوق المقاصة أيضا بعد اعتماد برنامج برنامج التغطية الصحية للفئات الهشة و الفقيرة “راميد”[2] الذي يعتبر من أكبر برنامج حكومي يستهدف الفئات الفقيرة والهشة، حيث يستفيد منه حوالي 11 مليون مواطن. ورغم الاعتلالات التي تعتريه والمرتبطة بمشاكل الحكامة والاستهداف، فإنه يشكل أرضية لرصد الفقراء يمكن تجويدها واستغلالها في إحداث السجل الإجتماعي الموحد. وإلى جانب برنامج راميد، عرفت العشرية الأخيرة، إطلاق برامج أخرى لدعم الفقراء خاصة فيما يخص التعليم كبرنامج تيسير مثلا. أهمية هذه البرامج تتجلى في كونها تعتبر معيارا هاما للولوج إلى التحويلات النقدية المشروطة بعد رفع الدعم.

الملاحظ أن جل الدول التي قامت بتحرير أسعار المحروقات خاصة بالنسبة لغاز البوتان، قامت بتهييء قبلي للإصلاح، وبمواكبته بتدابير من شأنها التخفيف من أضرار رفع الدعم على الفئات الفقيرة والهشة. هذه التدابير تراوحت بين إجراءات مباشرة، أهمها التحويلات النقدية المشروطة وغير المشروطة، وأخرى غير مباشرة تهم أساسا تضمين المساعدات داخل منظومة شاملة للحماية الإجتماعية.

التجارب العالمية تبين أيضا أن نجاح عملية الإصلاح، مرهون بعملية التواصل السياسي من طرف السلطات الحكومية من خلال شرح وتفسير مضامينه للمواطنين قبل التنفيذ، ومرتبط أيضا بتتبع ورصد النتائج السياسية والاقتصادية للأضرار التي سيلحقها الاصلاح بالفئات الهشة، وفي هذا الصدد لا بد من قياس دقيق لعدد الفقراء وللفئات التي يجب أن تواكب عند عملية الإصلاح. ويعتبر إعداد استراتيجية واضحة لمراحل الإصلاح المختلفة، من أهم شروط نجاح الاصلاح وتحقيق الآثار المرجوة منه على مالية الدولة.

 

كيف تمت المرحلة الأولى من الإصلاح؟

لقد شكل رفع الدعم على المحروقات، أول خطوة في إصلاح صندوق المقاصة، هذه الخطوة مكنت من تخفيف العبء على ميزانية الدولة حيث انخفضت نفقات المقاصة لتتراوح بين 13 و17 مليار درهم منذ 2016، بينما كانت تتأرجح بين 29 و56 مليار درهم ما بين 2009 و 2014 غير أن عملية رفع الدعم هاته شابتها العديد من المشاكل، حيث استغل المستوردون الكبار هذه الفرصة لرفع هامش الربح وضرب القدرة الشرائية للمواطن، في غياب تام لدور مجلس المنافسة.

 

مبيان: تطور نفقات المقاصة منذ سنة 2002 بملايير الدراهم

المصدر: تجميع الباحثة انطلاقا من تقارير المقاصة المرافقة لقوانين المالية

 

هذه الوضعية استوجبت إحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق ترأسها النائب عبد الله بوانو عن حزب العدالة والتنمية. وقد خلصت نتائج هذه اللجنة[3] إلى أن المستوردين الكبار زادوا من هامش ربحهم بعد تحرير الأسعار بشكل كبير ولم ينعكس انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية على البيع للعموم[4]. وقد شددت اللجنة على ضرورة انشاء آلية حكومية لتتبع ورصد الأسعار على المستوى الدولي و الوطني حتى يتسنى للحكومة حماية المستهلك.

في نهاية 2018، طلبت الحكومة استشارة مجلس المنافسة لتسقيف أسعار المحروقات بصفة مرحلية للحد من الممارسات المفتقدة لأدبيات المنافسة. في جوابه للحكومة، اعتبر مجلس المنافسة في تقرير[5] أصدره للعموم أن الطلب الحكومي بالتسقيف المرحلي للأسعار غير مسنود، وذلك لعدة اعتبارات، من أهمها أن مشكل سوق المحروقات بالمغرب هو مشكل بنيوي لا يستقيم بحلول مرحلية وإلى كون تسقيف الأسعار يضرب في العمق الممارسات المبنية على المنافسة ويعطي إشارات سيئة للسوق ويضبب رؤية الفاعلين. كما أضاف المجلس أيضا أن طلب الحكومة غير مسنود من الناحية المنهجية، ولديها خلط بين المادتين 2 و4 من القانون 104.12، وأكد أن المعايير المدرجة في هذا القانون للولوج الى التسقيف المرحلي للأسعار لا تتوفر في سوق المحروقات بعد التحرير، حيث لا بد من وجود ارتفاع أو انخفاض مهول للأسعار ليتم تطبيق هذه المواد. في المقابل ذكر مجلس المنافسة الحكومة بأن لها كامل الصلاحيات في التسقيف إن هي شاءت ذلك. ولكن الحكومة لحد الآن لم تأخذ أي قرار في هذا الشأن.

بالموازاة مع ذلك، خلصت نتائج التحقيقات التي قام بها مجلس المنافسة حول ما توصلت إليه اللجنة البرلمانية من وجود تعاملات ضد مبدأ المنافسة الى إدانة عدة فاعلين في السوق منهم ثلات شركات كبرى، بالاضافة الى الموردين الصغار. ونتيجة لذلك قرر مجلس المنافسة في شهر يوليوز 2020 تغريم الشركات الكبرى الفاعلة في السوق ب 9% من حجم معاملاتها وتغريم بقية الموردين ب 8% من حجم المعاملات. وبعد يوم واحد من إخبار الملك بالقرار[6] وفي سابقة من نوعها، دعا رئيس المجلس الأعضاء الى اجتماع جديد في نفس الموضوع وتم اعتماد قرار جديد وتغريم جميع الذين تمت إدانتهم ب 8% من حجم المعاملات[7].

هذه الواقعة ضربت مصداقية المجلس، وكان من المفروض أن تخلق حالة من الإرتياب ومن الشك لدى الرأي العام، ولكن المفاجأة هو أن هذا الموضوع خلق شرخا داخل المجلس نفسه قبل الرأي العام حيث أن بعض أعضاء المجلس رفعوا القضية الى التحكيم الملكي[8] معبرين عن رفضهم للقرار ومشككين في استقلالية قرار رئيس المجلس وأن هذا التغيير المفاجئ في القرار جاء انصياعا لتعليمات معينة أو لمصالح شخصية. سواء كان هذا الأمر صحيحا أم لا فإن تغيير القرار في أقل من أسبوع بعد رفعه الى التحكيم الملكي، يعتبر أمرا مريبا ويضرب مصداقية المجلس، خصوصا أن مالك إحدى الشركات الكبري هو وزير في الحكومة ورئيس حزب سياسي، والرأي العام لا زال يتذكر دوره في عرقلة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016.

أفضى الأمر إلى قرار ملكي بتعيين لجنة خاصة في يوليوز 2020[9]، قصد التحري حول كافة ملابسات الموضوع، مكونة من رئيسي غرفتي البرلمان، ورئيس المحكمة الدستورية، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، ووالي بنك المغرب، ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وأسندت مهمة تنسيق أشغال اللجنة الى الأمين العام للحكومة. وفي نهاية مارس 2021، رفعت اللجنة المذكورة تقريرها إلى الملك، وخلصت الى أن مسار معالجة قضية ما وقع في سوق المحروقات عرف العديد من المخالفات المسطرية وتدهور ملحوظ في مناخ المداولات بالمجلس.

هذه الخلاصات، أفضت إلى إقالة رئيس المجلس، ادريس الگراوي، عبر بلاغ صادر عن الديوان الملكي، بتاريخ 22 مارس 2021 وإلى تعيين رئيس جديد، وتكليف الملك لرئيس الحكومة بتحيين الإطار القانوني للمجلس وتدقيقه حتى يضمن لهذه المؤسسة صبغتها المستقلة والمتسمة بالحياد، ومساهمتها في تعزيز الحكامة الإقتصادية.

ولا بد من الإشارة الى أنه في سنة 2016، حقق الموزعون الكبار أرباحا بثلاث أضعاف ما كانوا يحققونه قبل تحرير سوق المحروقات. هذه الهوامش الضخمة من الربح تتيحها إمكانيات التخزين الكبيرة التي تمتلكها الشركات الكبرى وتستغلها في تكوين احتياطاتها عندما تكون الأسعار في السوق العالمية مواتية لذلك، وهنا لا بد من طرح سؤال جوهري: هل هي مصادفة أن يتم غلق المصفاة الوحيدة التي كان يمتلكها المغرب في سنة 2015؟ لاسامير كانت تمكن من معالجة 10 ملايين طن من البترول الخام سنويا وتمكن من إنتاج 2 مليون متر مكعب من البترول المعالج. وكانت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لسنة 2019[10]، قد نبهت المغرب الى كون إغلاق لاسامير خطأ وأن على المغرب الرفع من قدرته التخزينية. فهل الأمر كان فعلا خطأ؟

 

تعثر المرحلة الثانية من الاصلاح

ظلت وضعية صندوق المقاصة تراوح مكانها منذ تنفيذ المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية من الإصلاح التي من المنتظر أن تشمل باقي المواد المدعمة، فيتم تأجيلها باستمرار منذ ذلك الحين (2015). ويكتسي الملف طابعا اجتماعيا بامتياز، خاصة أن المواد التي سيتم رفع الدعم عنها في هذه المرحلة تشكل أكثر المواد استهلاكا من الطبقات الأكثر فقرا، ويتعلق الأمر بغاز البوتان والسكر والدقيق، وفيما يلي نظرة على حجم الدعم الذي تقدمه الدولة في إطار نظام المقاصة لكل مادة:

جدول: الدعم السنوي للمواد الأساسية

2019 2018 2017 2016 المادة/ نسبة الدعم السنوية
3407 3437 3456  3385 السكر( مليون درهم)
1350 1501 1465 1083 الدقيق( مليون درهم)
10,4 12,93 10,3 1,7 غاز البوتان ( مليار درهم)

المصدر: الباحثة انطلاقا من تقارير المقاصة

كون الأمر يتعلق بالمواد الأكثر استهلاكا من الطبقات الفقيرة، فإن كل إصلاح لا يأخذ ذلك بعين الاعتبار ستكون كلفته كبيرة سياسيا واجتماعيا. لكن، الاستمرار في دعم هذه المواد في المنبع subvention universelle يجعل بعض الفئات غير مستحقة تستفيد من هذا الدعم وهذا يقوض مبدأ  العدالة الإجتماعية وفي الوقت نفسه يزيد في إنهاك المالية العمومية.  ومن هنا أهمية تنفيذ الإصلاح بالطريقة التي تبقي على مكتسبات الفئات الفقيرة والهشة وتتفادى الآثار الاجتماعية التي من شأنها إعاقة الإصلاح.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بد من توفر شروط معينة من أهمها سياسة التواصل بشأن إصلاح صندوق المقاصة التي من المفترض أن تسبق رفع الدعم. أهمية حملة التواصل هاته تتجلى في شرح مضامين الإصلاح وآلياته وأين يكمن تأثيره الإيجابي على الفئات الهشة والفقيرة وعلى ميزانية الدولة وعلى إنضاج السياسات الاجتماعية الموجهة للفقراء بصفة عامة. لقد تميزت المرحلة الأولى من الإصلاح بغياب للدور التواصلي للحكومة ، الشيء الذي يجب تداركه في المرحلة الثانية من الإصلاح بالنظر الى ارتباط المواد التي سيشملها بإستهلاك الفئات الفقيرة والهشة.

من أجل تبرير عدم مواصلة إصلاح الصندوق، تتعلل الحكومة بعدم توفر الدولة على قاعدة بيانات للفئات الاجتماعية التي تستحق الدعم. وقد بدأ المغرب في هذه العملية من خلال إطلاق السجل الإجتماعي الموحد[11]، هذا السجل كان من المفروض أن يكون جاهزا مع نهاية سنة 2019. لكن يحتمل أن الحكومة لم ترغب في فعل ذلك مع قرب نهاية ولايتها، حتى لا تضطر إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الاصلاح لما يمكن أن يحدثه من رجة اجتماعية غالبا ما تطبع بداية كل إصلاح قد لا تكون غاياته الايجابية بادية للعيان أول الأمر.

إن ما يقع اليوم على إثر جائحة كورونا وفقدان العديد من الأسر لشغلهم ، سواء في القطاع المهيكل أو غير المهيكل، واتساع رقعة الهشاشة بالإضافة إلى الاختلالات التي شابت عملية توزيع التحويلات النقدية؛ يجعل إخراج السجل الاجتماعي الموحد إلى الوجود أمرا ملحا، خصوصا أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا يمكن أن تستمر لفترة من الزمن ، ما يزيد من صعوبة تنفيذ إصلاح صندوق المقاصة في المدى القصير والمتوسط لأن تعافي الاقتصاد يحتاج الى الوقت وهو رهين بمدى تطويق الجائحة وطنيا ودوليا.

ففي غياب السجل الاجتماعي الموحد، يصعب تحديد الفئات المستحقة بدقة وبشمولية. هذا السجل هو الذي سيمكن من إحصاء جميع الشرائح الاجتماعية وتدقيق بياناتها السوسيو اقتصادية وبالتالي تحديد الفئات المستحقة في كل برنامج، وسيمكن أيضا من التخلص من المشاكل التي عرفتها البرامج الاجتماعية في السابق والتي تتعلق أساسا بإدماج فئات غير مستحقة أو باستثناء أخرى مستحقة مما يفقدها الفاعلية والعدالة. فبالنسبة لنظام راميد مثلا فأخطاء الإدماج تقدر ب 10%.

إن انخراط المغرب في ورش تعميم الحماية الاجتماعية، سيساهم في استكمال إصلاح نظام المقاصة وحذف الدعم المعمم بصفة نهائية. وقد أثبتت التجارب العالمية أن نجاح السياسات البديلة عن نظام المقاصة تؤتي أكلها عندما تندرج في إطار نظام شامل للحماية الإجتماعية، خصوصا في نهاية المرحلة الانتقالية ما بين الدعم المعمم ومرحلة الدعم المباشر المستهدف للفقراء.

 

خاتمة

اتسمت المرحلة الأولى من إصلاح صندوق المقاصة من خلال التحرير الكامل لأسعار المحروقات بالفشل بعد أن طفت على السطح معالم عيب أخلاقي قد يكون شاب السوق، والمتمثل في إمكانية تلاعب الشركات الموزعة بالأسعار لزيادة أرباحها. هذه النازلة عرفت مدا وجزرا بين نفي المعنيين ومحاولة الحكومة تسقيف الأسعار وبين قرارات مجلس المنافسة التي افتقدت للمصداقية، هذا المد والجزر انتهي بإقالة رئيس مجلس المنافسة، بعد صدور تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بالتحقيق في مصداقية قرارات المجلس، التقرير أكد وجود خروقات مسطرية ومناخ مداولات يدعو للإرتياب.

من جهة أخرى، بات ضروريا تنفيذ المرحلة الثانية من إصلاح صندوق المقاصة. فنجاح هذا الإصلاح مرتبط بمدى التحضير المسبق له للإبقاء على مكتسبات الطبقات الهشة والفقيرة، وفي هذا الصدد ولتحقيق العدالة الاجتماعية والفاعلية الاقتصادية، لا بد من الإسراع باعتماد السجل الاجتماعي الموحد لتسهيل عملية الاستهداف وتجويدها ولا بد أيضا من القطع مع المقاربة النقدية للفقر، لأنها مقاربة قاصرة ومتجاوزة والإعتماد على مقاربة تسائل الفقر والهشاشة في أبعادهما المختلفة، الأمر الذي سيضمن فعالية تعويض نفقات المقاصة بالتحويلات المباشرة وسيسهل التنزيل الأمثل لكل السياسات الاجتماعية ويضمن مساهمتها في تأهيل الرأسمال البشري واستغلاله الأمثل في مسلسل التنمية.

انطلاقا من كل ما سبق، نقترح:

  • الإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد إلى حيز الوجود عبر رصد دقيق للفئات الهشة والفقيرة.
  • التهيئ المسبق للمرحلة الثانية من الإصلاح عبر حملة تواصلية ناجعة تشرح للمواطنين ماهية الإصلاح وأهميته للاقتصاد الوطني، وآثاره على الفئات الأكثر ضررا وكذا السياسات والبرامج التي ستعتمد لتطويق هذه الأضرار.
  • إعداد محكم للآليات البديلة، عن الدعم العام لتعويض الفئات الهشة والفقيرة خلال الفترة الانتقالية قبل ادماجها في سياسة شاملة للتغطية الاجتماعية.
  • اعداد استراتيجية واضحة وآجال زمنية محددة للخروج من المرحلة الانتقالية المتمثلة في التحويلات النقدية المباشرة.
  • تجويد المرفق العمومي والخدمة العمومية خاصة في الصحة والتعليم ليكون لتعميم الحماية الاجتماعية آثار ايجابية فيما يخص تأهيل الرأسمال البشري والحد من التوارث الجيلي للفقر والهشاشة.

 

الهوامش

[1] عن وزارة الشؤون العامة والحكامة.

[2]. دخل حيز التنفيذ في سنة 2008 وتم تعميمه في 2011.

[3] التقرير التركيبي للمهمة الاستطلاعية حول أسعاربيع المحروقات السائلة للعمرم وشروط المنافسة بعد قرار التحرير، لجنة المالية والنممية الاقتصادية بمجلس النواب، فبراير 2018.

[4] في غياب دور مجلس المنافسة في تحليل وضبط وضعية المنافسة في سوق المحروقات ومراقبة الممارسات المنافية لها.

[5] رأي مجلس المنافسة المتعلق بمشروع الحكومة الخاص بتسقيف هوامش الأرباح للمحروقات السائلة

[6] رئيس المجلس يرفع في هذا الصدد مذكرة الى الملك بتاريخ 23 يوليوز 2020

[7]رئيس المجلس يرفع مذكرة ثانية الى الملك في نفس الموضوع بتاريخ 28 يوليوز 2020

[8] الملك يتوصل بورقة من بغض أعضاء المجلس يتهمون الرئيس بتغيير القرار لأسباب غير مهنية

[9] بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 28 بوليوز 2021

[10] الوكالة الدولية للطاقة تقرير حول المغرب 2019

[11] السجل الاجتماعي الموحد هو بنك معلومات يتضمن المعلومات السوسيو افتصادية المتعلقة بالفئات الهشة و الفقيرة حتى يتسنى استهدافها بفعالية و قابل للتحيين باستمرار

 

المراجع

الدراسات

  • M. Bentour « on the removal of energy products subsidies in an importing oil contry : impacts on prices in Morocco Munich Personal PePGc Archive, 2015
  • Qachar et al (2015), « réforme de la caisse de compensation marocaine : quelle approche à adopter », revue d’évaluation et d’anticipations des politiques publiques, CEAPP N 2.
  • Jaidi (2020), « Le ciblage des pauvres et des vulnérables au Maroc : quelles leçons pour l’après covid 19 », policy paper, policy center for the New Sout.
  • Jaidi (2020), « le registre social unique enjeux et défis », policy center for the New South

التقارير

  • تقرير حول نظام المقاصة بالمغرب: تشخيص ومقترحات حلول، المجلس الأعلى للحسابات، يناير2014
  • رأي مجلس المنافسة المتعلق بمشروع الحكومة الخاص بتسقيف هوامش الأرباح للمحروقات السائلة
  • التقرير التركيبي للمهمة الاستطلاعية حول أسعاربيع المحروقات السائلة للعمرم وشروط المنافسة بعد قرار التحرير، لجنة المالية والنممية الاقتصادية بمجلس النواب، فبراير 2018.
  • إصلاحات دعم المحروقات: تعلمات و نتائج ، صندوق النقد الدولي، يناير 2013.

 

سلمى صدقي

سلمى صدقي

سلمى صدقي أستاذة الاقتصاد بجامعة ابن طفيل، حاصلة على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس بالرباط. في موضوع الأسس النظرية والاسقاطات العملية لإستقلالية البنوك المركزية. من مجالات اهتماماتها، الماكرو اقتصاد، السياسات الاقتصادية، اقتصاد التنمية وتقييم السياسات العمومية. وقد كتبت عدة دراسات وأبحاث بالعربية والفرنسية. قبل التحاقها بالتعليم العالي عملت سلمى صدقي كمستشارة تقنية بوزارة التجارة الخارجية.


اترك تعليقاً

Leave a Reply

Your email adress will not be published. Required fields are marked *

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. يتم وضع علامة على الحقول المطلوبة *


المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.



القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشورات المعهد من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ينظمها المعهد، المرجو التسجيل في القائمة البريدية.