الأبحاثحوار السياسات المغربيةسياسات التشغيل في المغرب: تحديات خلق فرص شغل وتعزيز المهارات من أجل إمكانيات تشغيل أفضل

سياسات التشغيل في المغرب: تحديات خلق فرص شغل وتعزيز المهارات من أجل إمكانيات تشغيل أفضل

سياسات الشغل في المغرب: تحديات خلق فرص شغل وتعزيز المهارات من أجل إمكانيات تشغيل أفضل

حوار السياسات 2021/2022
25 يناير 2022، الرباط، المغرب

السياق
أحرز المغرب تقدماً اقتصادياً هاماً على مدى السنوات العشرين الماضية، مما رفع من مستوى المعيشة لدى المواطنين المغاربة، وهو يعتبر اليوم من أكثر الاقتصادات تنافسية في إفريقيا ويحتل المرتبة الخامسة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي (صندوق النقد الدولي، 2021). وقد قُدر نمو النصيب الفردي من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.1 في المائة في المتوسط في الفترة بين 2010 و2019، وهو أعلى من متوسط معدل النمو الذي يعادل 1.0 في المائة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء البلدان ذات الدخل المرتفع). وجدير بالذكر أن الدخل الفردي بين عامي 2000 و2019 قد تضاعف، في حين انخفض معدل الفقر إلى ثلث مستواه في عام 2000، وارتفعت معدلات محاربة الأمية والخدمات الصحية، إلى جانب الاستفادة من البنى التحتية الأساسية كالماء والكهرباء.  إلا أن النمو الاقتصادي في المغرب لم يوفر فرصا كافية لتشغيل المواطنين في سن الشغل والمتزايد عددهم، كما يتسم المغرب أيضًا بقطاع غير مهيكل واسع ومعدلات عالية من البطالة وانخفاض مشاركة المرأة في سوق الشغل وانتشار الخدمات ذات القيمة المضافة المنخفضة، إضافة إلى بيئة الأعمال الصعبة خاصة بالنسبة للشركات الناشئة[1].

وفقًا للبيانات الحديثة التي أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط  في عام 2020، فقد وصلت معدلات البطالة بين الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عامًا) إلى 31.2 في المائة و 18.5 في المائة بين الخريجين الشباب[2]. وفيما يتعلق بمشاركة النساء في سوق الشغل، فإن المغرب يصطف إلى جانب بقية دولمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا[3] بنسبة ضئيلة تبلغ 19.9 في المائة[4]، أي أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 47.3 في المائة[5] (البنك الدولي، 2019). علاوة على ذلك، بلغ معدل الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عامًا) الذي يعاني البطالة والمحروم من الدراسة والتدريب حوالي 28.5 في المائة في عام 2019 (المرصد الوطني للتنمية البشرية)، وقد قدر البنك الدولي هذه النسبة إلى حوالي 30 في المائة[6]. وتشكل الشابات ما يزيد عن 76.4 في المائة من هذه الفئة، وبالتالي فإن القضايا الحالية المتعلقة بسوق الشغل تركز على ضرورة إعطاء الأولوية لجودة الشغل بقدر توفره.

وتجدر الإشارة إلى عامل رئيسي آخر يجب مراعاته عند تقييم أداء سوق الشغل، إلى جانب انخفاض معدلات البطالة، وهو طبيعة ونوعية فرص الشغل التي يتم خلقها، حيث لعب القطاع غير المهيكل دورًا مهمًا في عملية خلق فرص شغل في المغرب على مدى العقد الماضي. وفي واقع الأمر، يشكل حجم الاقتصاد غير المهيكل في المغرب ما بين 30 و 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي[7]، ويعمل أكثر من ثلث العاملين في المغرب في هذا القطاع، سواء في مهام تتطلب جهدًا يدويا أو يعملون في المنازل أو يقودون سيارات الأجرة أو يبيعون في الشوارع، وهم يشكلون 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن توسع أزمة كوفيد-19 هذا النوع من الاقتصاد، نظرا لأن المواطنين يفقدون وظائفهم في الشركات، فيما يبحث المستهلكون عن السلع والخدمات الأرخص التي يقدمها أشخاص غير مسجلون في صندوق التقاعد.

والمغرب، كباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعاني من ارتفاع معدلات البطالة بين صفوف الشباب الذين تلقوا تعليماً عالياً. وبينما لا يمكن تجاهل حجة “جانب الطلب”، التي تركز على عدم قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل تتطلب مهارات عالية، فإن هذه الظاهرة تكشف أيضًا عن رداءة نوعية التعليم. وقد شهد المغرب توسعًا سريعًا في توفير خدمات التعليم على مدى العقدين الماضيين مما أدى إلى تحسين الولوج إلى التعليم والتسجيل والتحصيل، وبالتالي ارتفع معدل التسجيل الإجمالي بالتعليم الابتدائي من 85 إلى 98 في المائة بين عامي 2000 و2016، ومن 60 إلى 88 في المائة في التعليم الإعدادي، و من 37 إلى 66 في المائة في التعليم الثانوي[8]. وعلى الرغم من ذلك فإن مستوى التعلم لم يرتفع، وهو ما يتضح من خلال النتائج الضعيفة التي تم رصدها في تقييمات التعلم الوطنية والدولية (الدراسة الدولية للتوجهات في الرياضيات والعلوم 2015، والبرنامج الدولي لتقويم التلاميذ 2019، وغيرها). وللحد من عدم تطابق المهارات مع الطلب، اعتمد المغرب تحسين وتوسيع نظام التكوين المهني، مع قفزة كبيرة في كل من عدد المتدربين والمؤسسات.

وبالتالي، فإن نسبة المتلقين للتكوين المهني في المغرب اليوم أعلى من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بوضربات وإينجل، 2014). ولكن على الرغم من هذه الجهود، ما تزال فرص الشغل أمام  خريجي التكوين المهني ضعيفة كما تثبت ذلك معدلات البطالة بين المتلقين لهذا التكوين والتي تبلغ 24.5 في المائة في عام 2017 مقابل 16 في المائة من عموم الخريجيين[9]. كما أن معدل البطالة ما يزال في ارتفاع إلى جانب مستوى التكوين المهني الذي يتم تلقيه. وبالنسبة لخريجي التكوين المهني الذين ولجوا سوق الشغل فإن 33 في المائة منهم (مقارنة بـ 11 في المائة من باقي الخريجيين) يشغلون مناصب بمستويات أقل من مؤهلاتهم[10].

يتميز سوق الشغل المغربي بثلاثة تحديات رئيسية:

– عدم الإدماج: تعتبر فئة الشباب والنساء هي الأقل إدماجاً في سوق الشغل، حيث أن مشاركتها منخفضة بشكل خاص، رغم أن نسبة الشباب المتعلم قد تضاعفت. وبينما يشير هذا إلى تحسين المهارات، فإن معدل البطالة لدى الشباب قد ارتفع أيضًا، لا سيما بين فئة الشباب المتعلم.

– النمو البطيء في سوق الشغل: لم يكن خلق فرص الشغل كافياً لاستيعاب تدفق المواطنين في سن الشغل، حيث تتركز العمالة المهيكلة في الشركات الكبرى بينما تواجه الشركات الصغرى والمتوسطة قيودًا عديدة حتى تتمكن من الاستمرار والتوسع.

– تدني جودة الوظائف: يهيمن الطابع غير المهيكل على سوق الشغل، فنمو العمالة غير الفلاحية بطيء للغاية، كما أن الشغل في قطاع الخدمات يتركز في الخدمات التي لا تتطلب مهارات عالية. إضافة إلى ذلك فإن الإنتاجية منخفضة و آليات الحماية والحوار الاجتماعي غير كافية.

يشهد سوق الشغل بالمغرب فرصا لتعزيز وزيادة مساهمته في النمو الاقتصادي للبلاد، وتعتبر الحكومة مسؤولة عن تحسين أداء سوق الشغل، لا سيما في جانب الطلب من أجل خلق وظائف أكثر وأفضل، وهو ما يتطلب إطارًا تنظيميًا أكثر شفافية ومرونة لتشجيع تنمية القطاع الخاص. إضافة لذلك، يمكن أن تكون السياسات التكميلية في جانب العرض مهمة لتحسين التحصيل العلمي والتخلص من معيقات ولوج الشباب والنساء لسوق الشغل.

الهدف

الهدف الرئيسي من هذا الحوار هو توفير منصة لخلق التعاون بين الفاعلين السياسيين والجهات الفاعلة وتحفيز الحوار حول القضايا المتعلقة بسوق الشغل في المغرب. وعلى الرغم من الإجماع على الحاجة الملحة للاستثمار في هذا المجال كماً ونوعاً، تظل الجهود ضعيفة ومشتتة بين جهات متعددة. وفي هذا الصدد، يهدف حوار السياسات إلى:

– تحقيق توافق في الآراء بشأن تعزيز التنسيق ومواءمة الجهود بين جميع الجهات الفاعلة وتقليل ازدواجية الإجراءات من خلال فهم مشترك لقضايا سوق الشغل؛

– تحديد السياسات الرئيسية والأطر المؤسسية التي من شأنها تسهيل وتسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل؛
– تحفيز النقاش حول استراتيجيات خلق الاندماج الاقتصادي وظروف مواتية ولائقة للشغل.

الجمهور المستهدف

يستهدف هذا الحوار:

الناشطين في مجال السياسات: الذين لديهم مصلحة وموارد في القضايا المتعلقة بالسياسات (صناع السياسات والخبراء في مجال السياسات والباحثون والمهنيون والموظفون الحكوميون).

الجهات الفاعلة الأخرى: المنظمات غير الحكومية والمؤسسات البحثية والجمعيات المهنية والمانحون المحليون ومنظمات المجتمع المدني الأخرى التي لها أيضًا أدوار جوهرية في مواءمة أهدافها وأنشطتها مع السياسات العمومية. تلعب هذه الجهات الفاعلة أيضًا دورًا مهمًا في الترافع ولفت الانتباه إلى القضايا ذات الأولوية وتقديم حلول لها.

يجتمع المشاركون حول مائدة مستديرة وفق قاعدة تشاثام هاوس، أي “عند عقد اجتماع بموجب قاعدة تشاثام هاوس، يكون للمشاركين الحرية في استخدام المعلومات الواردة، دون الكشف عن هوية أو انتماء المتحدث (المتحدثين)، أو أي مشارك آخر”.

المحاور

  • تعزيز سياسات سوق الشغل النشطة في المغرب

في سياق الضغوط الاقتصادية العالمية المتزايدة مع ارتفاع معدل البطالة إلى ما يقرب من 6.4 في المائة على الصعيد العالمي (منظمة العمل الدولية، 2020)، يحتاج المغرب إلى البحث عن طرق لتحفيز خلق فرص الشغل وتحسين جودة ظروفها بالنظر إلى ارتفاع معدل البطالة العام الحالي البالغ 12.8 في المائة (المندوبية السامية للتخطيط، 2021)، باعتبار أن سوق شغل ديناميكي وشامل هو أحد دعائم النمو الاقتصادي  والحد من الفقر والإدماج الاجتماعي والتنمية.

وقد اتخذت السياسات المتعلقة بسوق الشغل النشطة في المغرب خطوة نوعية إلى الأمام بإنشاء الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل (الأنابيك) سنة 2000، وذلك من أجل (1) تنفيذ سياسات سوق العمل النشطة (ALMPS)؛ (2) تقريب أرباب العمل من الباحثين عن عمل، و(3) توفير المعلومات والإرشاد للباحثين عن عمل والمقاولين الشباب. وقد تم وضع ثلاثة برامج رئيسية في عام 2006، أولها برنامج “تأهيل” الذي يهدف إلى إيجاد التوافق بين مؤهلات الباحثين عن عمل واحتياجات السوق، من خلال التدريب التعاقدي أو التدريب على المهارات أو إعادة التدريب. أما البرنامج الثاني “مقاولتي” وأعيدت تسميته لاحقا إلى “التشغيل الذاتي”، فيهدف إلى تعزيز روح المبادرة وخلق المقاولات من خلال التدريب والدعم المالي. ثم البرنامج المدعوم “إدماج” وهو برنامج تشغيل ويدعم بدوره انتقال الشباب من المدرسة إلى العمل من خلال تحسين قابلية التوظيف عن طريق تقديم تجربة مهنية للعاطلين عن العمل المستهدفين من خلال دورات تدريبية لمدة 24 شهرًا وكذلك زيادة عدد ذوي المهارات العالية والموظفين المؤهلين من خلال تقديم حوافز للشركات لتوظيف الخريجين الشباب.

كما نزلت وزارات أخرى الإجراءات التالية:

– إدماج الشباب بما في ذلك تحسين نظام التدريب وإدماج الشباب في سوق الشغل من خلال التدريب الداخلي أو مطابقة المهارات مع متطلبات السوق؛

– زيادة فرص الشغل والإنتاجية بشكل عام؛ وتشجيع المشاريع الصغرى من خلال دعمها ماليا؛

– مخططات طاعية أخرى تهدف إلى تعزيز خلق فرص الشغل من خلال تحسين ظروف الاقتصاد الكلي، كمخطط  المغرب الأخضر، وكذلك السياسات القطاعية كإصلاح نظام التقاعد وسياسة سعر الصرف واستراتيجيات القطاع الداعمة للنمو وتسريع حماية الرفاه الاجتماعي لجميع المواطنين[11].

ومن بين الأسئلة التي يجب مناقشتها:

– إلى أي مدى تؤثر مشاركة سياسات سوق العمل النشطة على الأفراد العاطلين عن العمل وكيف يؤثر ذلك على سلوكهم في سوق الشغل في المغرب؟

–  كيف يمكن أن تساهم سياسات سوق العمل النشطة  في تطوير الحماية الاجتماعية وأن تكون بمثابة عنصر حاسم لحماية العاملين من المخاطر غير المتوقعة خلال حياتهم العملية؟

2) النمو الاقتصادي وخلق فرص شغل لائقة

إن الحاجة إلى تحسين بيئات العمل شرط أساسي لتحقيق الاندماج في سوق الشغل؛ وتعرف منظمة العمل الدولية مفهوم “العمل اللائق” على أنه “فرص حصول النساء والرجال على عمل لائق ومنتج في ظروف من الحرية والمساواة والأمن والكرامة”[12]. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز فرص العمل اللائق لجميع شرائح المواطنين العاملين، بما فيهم النساء، قد أصبح أمرًا حاسمًا في تشكيل السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق التنمية المستدامة، وبالتالي فإن المبادئ الرئيسية لبرنامج العمل اللائق، كما وضعتها منظمة العمل الدولية، والتي تتمثل في  خلق وتوفير فرص الشغل والاستفادة من الحماية الاجتماعية وتعزيز الحوار الاجتماعي والحقوق في مكان العمل، تضع إطارًا لتطوير السياسات المذكورة لسوق الشغل. وفي الواقع، تعد صياغة السياسات المتعلقة بالتشغيل اللائق وتطويرها أمرًا حاسمًا بالنسبة للأسواق النامية والناشئة في المغرب لعدة أسباب، من بينها توسع القطاع غير المهيكل والتغطية الضعيفة لبرامج الحماية الاجتماعية وكذا المشاكل الهيكلية التي يعاني منها سوق الشغل.

كما قدم إدماج المرأة في سوق الشغل كثيرا من الفرص والتحديات للمغرب. وفي حين أن إحراز بعض التقدم كإزالة الحواجز القانونية أمام تشغيل المرأة أو زيادة الاستفادة من القروض الصغرى، لا تزال المرأة تعاني من حقوق اقتصادية وأجور وفرص عمل أقل من الرجل، كما تواجه معايير جنسانية تقليدية بشأن أدوارها ومسؤولياتها داخل الأسرة[13]، فوضع المرأة داخل سوق الشغل في المغرب هو نتيجة كل من القضايا المعقدة والمتقاطعة التي أدت إلى ضعف هيكلي لمشاركتها. ولا يزال المغرب يندرج ضمن 20 في المائة من البلدان التي تعرف مشاركة اقتصادية ضعيفة للمرأة في سوق الشغل على مدى السنوات العشرين الماضية[14]. وبخصوص معدل مشاركة المرأة في سوق الشغل بين 1999 و2019، فقد عرف انخفاضا ملحوظا (من 30 في المائة إلى 21 في المائة)، بخلاف مشاركة الرجال التي تراوحت بين 71 في المائة و 79 في المائة؛ ويعتبر مكان السكنى أيضا عامل مهما في ذلك، حيث أنه في المناطق الحضرية، من 1999 إلى 2019، تراوحت معدلات نشاط النساء حول 20 في المائة، مقابل 78 في المائة بالنسبة للذكور، أما في المناطق القروية فقد تراوحت معدلات مشاركة النساء في نفس الفترة بين 30 و 40 في المائة مقابل 68 في المائة بالنسبة للرجال[15].

يتوقف مدى تأثير سياسات الشغل اللائق وتأثيرها جزئيًا على خلق نمو من شأنه أن يمتد إلى خلق فرص عمل كثيرة، وتسريع التحولات الهيكلية التي من شأنها أن تؤدي إلى وظائف أكثر جودة مع انتقال المواطنين من وظائف منخفضة الإنتاجية إلى وظائف إنتاجية أعلى. في السنوات الأخيرة، استفاد نمو الإنتاجية في قطاع الصناعات من التوسع في الأنشطة ذات الكثافة الرأسمالية والقيمة المضافة العالية بشكل رئيسي في أكبر المراكز الاقتصادية في المغرب ( كطنجة والدار البيضاء). وللاستفادة من هذا الزخم، ينبغي أن يفضي نمو الإنتاجية إلى إعادة تخصيص الموارد بين القطاعات والجهات الجغرافية، حيث ستساعد النتائج غير المباشرة للإنتاجية في خلق المزيد من الوظائف اللائقة على طول سلسلة القيمة من خلال الوظائف ذات قيمة مضافة عالية. وسعيا إلى تحقيق هذه النتيجة، اعتمد المغرب مجموعة من السياسات الشاملة التي تهدف إلى خلق تعاون بين القطاعات التي تحتاج إلى مزيد من الدعم والسياسات الموجهة نحو التنمية التي تعزز الأنشطة الإنتاجية وتخلق فرص شغل لائقة، إضافة إلى المقاولات والإبداع والابتكار وتحفيز نمو المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتسهيل اندماجها في القطاع المهيكل، بما في ذلك الوصول إلى الخدمات المالية.

وبالتالي يجب معالجة الأسئلة التالية:

– كيف يمكننا مواءمة سياسات نمو الإنتاجية مع سياسات خلق وظائف عالية القيمة توفر ظروف عمل لائقة؟

– ما الذي يتطلبه الأمر لتغيير أنماط النمو جذريًا لزيادة فرص شغل عالية الجودة خلال العقد المقبل؟

– كيف يمكن للمغرب أن يستفيد من إمكانات مواطنيه من خلال إشراك المرأة في مكان العمل؟

– كيف يمكن للمغرب أن يضمن أن دور المرأة في مكان العمل محوري في الجهود المبذولة لتعزيز النمو الاقتصادي؟

  • أسواق الشغل الناشئة: التحديات والفرص

للثورة الصناعية الرابعة آثار عميقة على كيفية تأهيل الناس لمواجهة سوق الشغل المتغير، لا سيما في مجال المهارات التقنية العليا والتعليم والتكوين التقني والمهني (TVET). وقد ظهرت موجة من التقنيات الجديدة والتي يتوقع الكثيرون أنها لن تعزز الإنتاجية فحسب، بل ستزيد أيضًا من معدلات تقلبات سوق الشغل. يتم تحديد التحول العالمي في مجال الشغل من خلال مجموعة دائمة التوسع من التقنيات الجديدة والقطاعات والأسواق الجديدة وأنظمة اقتصادية عالمية مترابطة أكثر من أي وقت مضى، وأيضا من خلال المعلومات التي تنتقل بسرعة وتنتشر على نطاق واسع. وقد كان لموجات الابتكار التكنولوجي السابقة آثار إيجابية هائلة، بما في ذلك على نمو النصيب الفردي من الناتج المحلي الإجمالي، كما كان لها بعض الآثار المدمرة على الشركات الحالية والعاملين والمجتمعات. ونتيجة لتراجع كوفيد-19، قطعت الرقمنة اليومية شوطا كبيرا مع تحول واسع النطاق إلى العمل عن بعد والتجارة الإلكترونية، مما أدى إلى ظهور سوق جديدة ، إلا أنها تسبب أيضًا في إبراز تحديات كبيرة من حيث التكيف مع ظروف العمل الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة[16]. إن دور الحكومات لا يكمن في حماية الشركات من المنافسين المبتكرين، بل في مساعدة العاملين والمجتمعات على إجراء انتقالات فعالة.

إن التحول الرقمي والأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات والبلوكتشين، كلها مجالات تتوسع لتشمل جميع الأنشطة الاقتصادية وتغير بنية سوق الشغل. وبالرغم من أنه تحول يحمل فرصًا كبيرة، إلا أنه يفرض أيضًا مخاطر جديدة على الاقتصادات، مما يشكل ضغوطًا لاعتماد سياسات عمومية ملائمة لذلك. وتعد التغطية الواسعة للإنترنت والتقدم في التجارة الإلكترونية من ضمن المزايا على الرغم من الحاجة الملحة لبنى تحتية وزيادة تراكم رأس المال البشري في هذا المجال من أجل تشجيع الابتكار؛ فمع معدل انتشار الهواتف المحمولة الذي يبلغ حوالي 60 في المائة، يتمتع المغرب أيضًا بمعدل وصول إلى خدمة الإنترنت بنسبة 48 في المائة مع شبكة الجيل الرابع(G4) وتمتد إلى جميع المناطق تقريبًا. ويمكن أن يؤدي توسيع الوصول إلى الأدوات الرقمية إلى تحفيز النمو الاقتصادي وبالتالي خلق دينامية جديدة في سوق الشغل واقتراح حلول جديدة لقضايا قائمة منذ أمد طويل كبطالة الشباب. وفي الوقت نفسه، ومع انتقال الاقتصاد إلى أنشطة أكثر كثافة من الناحية الرقمية، قد تحدث تحولات كبيرة في هيكل العمالة كالمهن والمهام والمهارات، وسيكون التعامل مع المشاكل الهيكلية لسوق الشغل أكثر صعوبة في المستقبل القريب بسبب اتساع الفجوات بين متطلبات المهام الوظيفية الجديدة والقدرة على تلبيتها.

لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه سوق العمل اليوم ، يجب على الحكومة المغربية اتباع نهج شامل ، وإنشاء روابط نشطة وتنسيق بين مقدمي التعليم والمهارات والعمال وأصحاب العمل ، وضمان التعاون الفعال بين وكالات التشغيل الإقليمية والحكومات الوطنية. يمكن تعزيز هذه الجهود من خلال التعاون بين أصحاب المصلحة المتعددين بين الشركات التي تتطلع إلى دعم القوى العاملة لديها ؛ الحكومات الراغبة في تمويل إعادة تشكيل المهارات وتوطين برامج التعليم في منتصف العمر الوظيفي ؛ شركات الخدمات المهنية وشركات التكنولوجيا التي يمكنها رسم خريطة للتحولات الوظيفية المحتملة أو تقديم خدمات إعادة تشكيل المهارات ؛ تدرك النقابات العمالية تأثير تلك التحولات على رفاهية العمال ؛ والمنظمات المجتمعية التي يمكنها إبراز فعالية التشريعات الجديدة وتقديم ملاحظات مبكرة حول تصميمها.

بناءً على المشاكل الهيكلية في سوق الشغل بالمغرب، يمكننا طرح السؤال التالي:

– كيف يمكن للمغرب أن يهيئ سوق الشغل للتحول الرقمي؟

لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه سوق الشغل حاليا، يجب على الحكومة المغربية اتباع نهج شامل وإنشاء أوجه ترابط نشطة والتنسيق بين مقدمي الخدمات التعليمية والمهارات والعاملين وأرباب العمل وضمان التعاون الفعال بين وكالات التشغيل والحكومات الإقليمية والحكومات الوطنية. يمكن تعزيز هذه الجهود من خلال التعاون بين الشركات التي تتطلع إلى دعم القوى العاملة لديها؛ الحكومات الراغبة في تمويل عملية إعادة تأهيل وصقل المهارات وتوطين برامج التعليم؛ شركات الخدمات المهنية وشركات التكنولوجيا التي يمكنها رسم خريطة للتحولات الوظيفية المحتملة أو تقديم خدمات إعادة تأهيل المهارات؛ جعل النقابات العمالية تدرك مدى تأثير تلك التحولات على رفاه العاملين؛ والمنظمات المجتمعية التي يمكنها إبراز فعالية التشريعات الجديدة وتقديم ملاحظات مبكرة حول صياغتها.

 
المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد المغربي لتحليل السياسات مؤسسة غير ربحية، تأسست من قبل مجموعة من الباحثين متعددي التخصصات، وتعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.
يتمثل النشاط الرئيسي لـلمعهد في إنتاج تحليل منهجي ومتعمق ودقيق وموضوعي للقضايا ذات الصلة بالسياسات (السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية). يتم نشر النتائج والتحليلات من قبل المعهد في شكل ملخصات سياسات ومقالات بحثية وتقارير.  تنشر جميع المقالات والأوراق في موقعنا:   https://mipa.institute/ar orhttps://mipa.institute/eng

ينظم المعهد سنويا منتدى يجمع الباحثين وصناع السياسات والمسؤولين الحكوميين لمناقشة وتدارس مواضيع وسياسات معينة.

يتمثل النشاط الرئيسي الثالث للمعهد في تدريب الأكاديميين والباحثين الشباب في مجال تحليل السياسات، ينظم المعهد تدريبات لفائدة الأكاديميين الشباب في مجال تحليل السياسات وتهدف الدورات التدريبية إلى إعداد الجيل القادم من الباحثين والأكاديميين وبناء مهاراتهم ليكونوا قادرين على إنتاج تحليلات معمقة وفعالة للقضايا ذات الصلة بالسياسات العامة.

يسعى المعهد إلى:

  • المساهمة في النقاش العام حول القضايا السياسية؛
  • نشر أوراق السياسات والمقالات التحليلية والتقارير؛
  • تقديم المشورة والخبرة للمنظمات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني؛
  • تعزيز أخلاقيات البحث؛
  • تشجيع التفكير التحليلي والنقدي؛
  • إعداد جيل جديد من الباحثين في مجال السياسات العامة؛
  • تشجيع التعاون بين مختلف مؤسسات البحث الحكومية وغير الحكومية ذات الاهتمامات والقيم المشتركة؛
 
حوار السياسات المغربية  
  2021/2022

حوار السياسات المغربية 2021/2022 هي مائدة مستديرة ينظمها المعهد المغربي لتحليل السياسات شهريا، ويضم ممثلين من الحكومة وشركاء التنمية والمنظمات الدولية والباحثين والخبراء والمجتمع المدني لمناقشة السياسات العمومية وتحديات تنفيذها في المغرب.

الغرض من هذا النشاط هو تعميق الوعي وخلق حوار سياسي نقدي عميق بين المتخصصين في مجال تحليل السياسة العمومية وصناع القرار لإجراء تشخيص شامل للسياسات والاستراتيجيات الوطنية ومتعددة القطاعات وانتقادها بشكل بناء واقتراح خيارات وبدائل سياسية، كما يوفر أيضا فرصة لإثراء النقاش وإيجاد توافق في الآراء، لذلك يلعب كل مشارك دورًا مهما بصفته حاملا للمعرفة ومتلقيا لها ويساهم بنشاط في تحفيز نقاش صريح وبناء.

يجتمع المشاركون حول مائدة مستديرة وفق قاعدة تشاثام هاوس، أي “عند عقد اجتماع بموجب قاعدة تشاثام هاوس، يكون للمشاركين الحرية في استخدام المعلومات الواردة، دون الكشف عن هوية أو انتماء المتحدث (المتحدثين)، أو أي مشارك آخر”.

يشكل حوار حول السياسات المغربية 2021/2022 فرصة للتعلم ومساحة للتعاون وحل القضايا بشكل مشترك، ويتم تنظيم كل حوار في حدود نصف يوم / يوم كامل (3-6 ساعات) نظرا لجدول أعمال المشاركين واختصار وقت إعداد التقارير في كل اجتماع وكذلك عدد الموضوعات التي سيتم النظر فيها بشكل عام.وبعد أسابيع قليلة من كل حوار يتم إصدار ونشر موجز سياسات يلخص النقاط الرئيسية التي تمت مناقشتها ويقترح توصيات بناءا عليها. يكتب الموجز باللغتين العربية والإنجليزية.

[1] البنك الدولي، 2021، التشغيل في المغرب

[2]  “النشاط والتشغيل والبطالة، النتائج الأولية (سنوي)، 2020”. www.hcp.ma

[3] بلغ متوسط مشاركة النساء في سوق الشغل بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء الدخل المرتفع) حوالي  17.3 في المائة فقط في عام 2019، البنك الدولي (2019).data.worldbank.org

[4] عرف سوق الشغل مشاركة 70.4 في المائة من الرجال النشطين في عام 2020 حسب المندوبية السامية للتخطيط، 2021.

5   البنك الدولي (2019).  data.worldbank.org

6فيديريكا ألفاني، فابيو كليمينتي، ميشيل فابياني، فاسكو موليني، إينزو فالنتيني، ماي 2019 ،  « Once NEET, Always NEET? A Synthetic Panel Approach to Analyze the Moroccan Labor Market »  . ورقة بحثية للبنك الدولي، رقم 9238.

7 شنايدر وآخرون (2010)

[8]  البنك الدولي. (2020). المغرب: تنمية المهارات من أجل التشغيل.

[9] صندوق النقد الدولي. (2019). الآثار الاقتصادية الكلية لإصلاحات سوق الشغل في المغرب.  https://doi.org/10.5089/9781513513768.001 .

[10] المرجع نفسه.

[11] سوق الشغل في المغرب: التحديات والفرص. البنك الدولي، 2018. https://www.worldbank.org/en/country/morocco/publication/labor-market-in-morocco-challenges-and-opportunities

[12] منظمة العمل الدولية، 1999، ص 3

[13] هيئة الأمم المتحدة للمرأة. (2016). تقدم نساء العالم 2015-2016، تحويل الاقتصادات وإعمال الحقوق، نيويورك: هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

[14] البنك الدولي (2015). المغرب: تحقيق التوازن: تمكين المرأة من أجل مجتمع أكثر انفتاحا وإدماجا وازدهارا.

[15] مركز السياسات للجنوب الجديد. (2021). التمكين الاقتصادي للمرأة المغربية. https://www.policycenter.ma/sites/default/files/PB_08-21_Rahmouni%20EN.pd

[16] المنتدى الاقتصادي العالمي، 2020، مستقبل الوظائف. https://www3.weforum.org/docs/WEF_Future_of_Jobs_2020.pdf

 

Avatar

المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *