احتجاجات الهوامش : القشرة وما تخفيه

احتجاجات الهوامش : القشرة وما تخفيه

عبد الإله سطيعبد الإله سطي12 مارس 20185min14700
قد تتحول المطالب الاحتجاجية في المغرب من البعد الاجتماعي إلى البعد السياسي بسبب الهشاشة المجالية والتنموية التي تعاني منها بعض الجهات

قد تتحول المطالب الاحتجاجية في المغرب من البعد الاجتماعي إلى البعد السياسي بسبب الإقصاء المجالي والتنموي لبعض الجهات.

 

تحميل المقال
ملخص تنفيذي

أصبحت الاحتجاجات في المغرب تمتد أكثر فأكثر إلى الفضاءات القروية والمناطق شبه الحضرية بعد أن كانت لفترة طويلة ظاهرة حضرية. ففي الوقت الذي تركز فيه مطالب أغلب المحتجين على تحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والكهرباء، إلا أن من شأن ارتفاع وتيرة الاحتجاجات وانتقالها في مناطق مختلفة من المغرب، أن تكون له انعكاسات سياسية، لا سيما بعد أن أعطتاحتجاجات الريف دينامية لسياسات الشارع مقابل تبخيس دور المؤسسات السياسية المنتخبة التي أصبح يشكك المواطنون في فعاليتها لتحسين وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية.

وبالرغم من أن مطالب المحتجين تختلف حسب السياقات والأشكال النضالية والفاعلين المؤطرين لها، إلا أن هناك إصرارا على تحدي السلطات والتعبير عن التظلمات الاجتماعية. ونتيجة للإحساس المشترك لدى ساكنة بعض جهات المغرب العميق، بالتهميش من التنمية المجالية، تولدت هوية تضامنية جماعية مشتركة لدى هذه الفئات المحتجة، من أبرز مظاهرها بروز حالات من التضامن الترابي المتغذي على روابط القرابة الدموية، والقبلية، جعل الفعل الاحتجاجي في الكثير من مظاهره يأخذ بعدا عشائريا، وهو ما سينعكس مستقبلا على وتيرة  وحجم هذه الاحتجاجات، التي قد تنجح في تحويل المطالب من البعد الاجتماعي إلى مطالب سياسية.

 

 

مقدمة

قبل نهاية سنة 2017 شهدت منطقة جرادة (الموجودة في أقصى شرق المغرب) موجة من الاحتجاجات الشعبية على خلفية الوفاة المأساوية للأخوين الحسين وجدوان اللذان كانا يستخرجان الفحم بوسائل بدائية من منجم مهجور. وقبلها بأشهر شهدت منطقة زاكورة (جنوب شرق المغرب) موجة من الاحتجاجات بسبب ندرة المياه وشح آبار الشرب، جراء استنزاف الفرشة المائية من طرف أرباب الضيعات الكبيرة التي تنتج البطيخ الأحمر.

تمثل احتجاجات جرادة وزاكورة وغيرها نموذجا لموجة جديدة من الاحتجاجات التي عرفتها هوامش المغرب في السنوات الأخيرة. فبخلاف احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011، تمثل موجة احتجاجات الهامش تحولا في طبيعة الحركات الاحتجاجية التي انتقلت من فعل محصور في الوسط الحضري إلى فعل متسرب داخل فضاءات المغرب العميق، التي كانت معزولة إلى حد بعيد عن ديناميات الحراك الاجتماعي لفترة طويلة. فمن أصل إحدى عشرة ألف وقفة ومسيرة احتجاجية تم إحصائها بمنتصف سنة 2017 فإن نصفها في العالم القروي1. وهذه نسبة أكبر من السنوات السابقة التي لم يكن يتجاوز فيها عدد الاحتجاجات في المناطق القروية الأربعون بالمائة2. وإذا أخذنا في عين الاعتبار أن عدد ساكنة المدن يشكل حوالي ثلثي سكان المغرب، فإن عدد الاحتجاجات في المناطق القروية في المغرب يبقى مرتفعا.

ورغم أن أغلب هذه الاحتجاجات تركز على تظلمات ومطالب اجتماعية لا سيما توفير الخدمات الصحية وفك العزلة عن المناطق المعزولة، والمد بشبكة الكهرباء والماء الصالح للشرب، إلا أنها قد تؤدي إلى إمكانية توسع رقعة الاحتجاج مستقبلا وتدحرج كرة الثلج، في حالة ما تم التعامل معها فقط وفق المقاربة الأمنية المحضة، بدلا من أخذ هذه التظلمات على محمل الجد من طرف الحكومة.

تجادل هذه الورقة أن المغرب مقبل في السنوات القادمة على موجة جديدة من الاحتجاجات بسبب انتظارات المواطنين العالية من جهة وبسبب عجز الحكومات المتعاقبة عن تلبية هذه الانتظارات بشكل مقبول. كما تجادل هذه الورقة أيضا أن انتقال الاحتجاج من المجال الحضري إلى المجال القروي، يرتبط بتراجع آليات الوسائط المحلية التي كان يشكل الأعيان والسلطة المنتخبة المحلية مصدا فعالا في الحد من هذه الاحتجاجات المحلية باحتوائها وحصرها في منبتها. فالتحولات الاجتماعية التي عاشها المغرب في السنوات الأخيرة أدى إلى انحسار هذه الوسائط من جهة وإلي تنامي الوعي الاحتجاجي للمناطق المهمشة من جهة ثانية، وهو ما يجعل من إمكانية التحكم القبْلي في الاحتجاجات وامتصاص مطالب المواطنين أصعب مما كان عليه الأمر في السابق.

علاوة على ذلك، يؤشر تصاعد موجات الاحتجاج بالمغرب العميق على محدودية مشاريع التنمية المجالية، فبالرغم من مشاريع الحكومة في العقدين الأخيرين ووعودها بتحسين وضعية الساكنة وتنمية المناطق الفقيرة والمهمشة، إلا أن ارتفاع مستويات الفقر والهشاشة3 بهذه المناطق يشير إلى ضعف السياسات العمومية الموجهة نحو العالم القروي والمناطق الهامشية. ومن ثمة أضحت سياسات الدولة التنموية موضع مساءلة سواء من حيث نجاعتها، أو من حيث الفئات المستفيدة منها.

عدوى الاحتجاجات؟

رغم التراجع النسبي الذي عرفته وتيرة الاحتجاجات بعد تعيين حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2012 وما صحبه من آمال في تحسن وضعية المواطنين لا سيما في السنوات الأولى من عمر الحكومة، إلا أن وتيرة  الحراك ارتفعت مرة أخرى سنة 2014 لتصل ذروتها سنة 2016  في منطقة الريف عقب موجة الاحتجاجات التي عرفتها المنطقة بعد وفاة بائع السمك محسن فكري4.

 

المصدر:تركيب الباحث [1]

 

 

المصدر:تركيب الباحث[2]

 

وبالرغم من أن تأثيرها لم يكن مباشرا؛ إلا أن احتجاجات الريف التي اندلعت شرارتها بأكتوبر من سنة 2016، كان لها أثر “العدوى”، حيث ألهمت احتجاجات الهوامش في المغرب وأعطتها دفعة تحفيزية. فقد أضحى سكان العديد من القرى والمدن الصغيرة بالمغرب لا يترددون في الخروج للشارع من أجل رفع مطالبهم الاجتماعية أمام السلطات والمسؤولين المحليين.

يبدو أن هناك سيرورة بين الاحتجاجات وحراك الريف، وهذا يظهر من خلال اعتماد شكل المظاهرات المتواصلة قصد الضغط على المسؤولين. فبخلاف حركة 20 فبراير التي كانت تعتمد على الاحتجاجات الموسمية، قامت كل من احتجاجات الريف وحراك الهوامش باعتماد نشاط احتجاجي مستمر. علاوة على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وهي تقنيات استثمرتها احتجاجات الريف في التعبئة وإيصال مطالبها.

بالمقابل؛ تختلف احتجاجات الهوامش عن “حراك الريف” بكونها تركز أولا وأساسا على مطالب اجتماعية لا سيما توفير الخدمات والحاجيات الأساسية وتوفير بدائل اقتصادية. في حين أن احتجاجات الريف غلبت عليه المطالب الثقافية والسياسية، رغم أنه يشترك أيضا في التظلمات الاجتماعية نفسها.

خصائص وأساليب الاحتجاج

بشكل عام ركزت مطالب احتجاجات الهوامش على قضيتين أساسيتين، تصدرتها المطالب الكلاسيكية بتوفير وسائل النقل ومرافق صحية وإصلاح الطريق أو التزود بالكهرباء، كما هو الشأن في أغلب المسيرات التي تمت في الهوامش5.

إلا أن سنة 2017 تميزت أيضا، كما سبقت الإشارة لذلك، ببروز احتجاجات لديها علاقة بالتغيرات المناخية والبيئة. فقد خرجت عدد من الدواوير والمناطق التي تعاني من شح المياه ولا تصلها المياه الصالحة للشرب، للاحتجاج ضد غلاء فواتير الماء وتطهير السائل (معالجة المياه) وندرة المياه بشكل عام، والذين تزداد معاناتهم بجفاف مياه بعض الآبار التي كانوا يعتمدون عليها.

فقد أشارت بعض المعطيات الرسمية، إلى أن صيف 2017 لوحده عرف احتجاج أكثر من 37 مركزا من مجموع عدد المراكز في المغرب والتي يبلغ عددها 700 مركز.  وصرحت كاتبة الدولة لدى وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء المكلفة بالماء شرفات أفيلال أن ثلثي المناطق التي تحركت فيها الاحتجاجات عاشت خصاصا في الماء الشروب. وتمثل احتجاجات زاكورة أبرز نموذج على موجة الاحتجاجات البيئية الجديدة والتي تطالب بمعالجة ندرة المياه وشح أبار الشرب، جراء استنزاف الفرشة المائية من قبل ضيعات البطيخ الأحمر. الأمر الذي ولد اصطداما عنيفا بين المحتجين والسلطات أسفر عنه العديد من الاعتقالات والمحاكمات في صفوف المحتجين6.

 إلا أن طبيعة هذه المطالب الاجتماعية تبقى مرشحة للتحول إلى مطالب سياسية، في ظل التماطل عن إيجاد الحلول الكفيلة بالاستجابة لمطالب السكان الأساسية، وذلك عبر رفع مطلب الرحيل في وجه بعض المسؤولين السياسيين والإداريين المحليين، كما كشفت عنه العديد من الوقائع التي تم تسجليها ببعض القرى والمدن الصغيرة التي شهدت هذه الاحتجاجات.

ومن المثير في موجة الاحتجاجات الجديدة هو استخدام استراتيجيات وتقنيات جديدة في الاحتجاج. بهدف جلب انتباه السلطات والرأي العام، إذ لجأ العديد من المواطنين الى التعبير عن احتجاجهم من خلال مسيرات على الأقدام تكون أحيانا لمسافات طويلة وتحمل مخاطرة كبيرة. ويبدو أن الدافع وراء فعل التحرك و”المسير” و”المشي” لمسافات طويلة صوب “المسؤولين” يهدف إلى التعبير عن حجم المعاناة والتحاور الجماعي والترافع المباشر والعفوي على المطالب والحاجيات7. بالإضافة إلى ذلك عمل الناشطون على استثمار مكثف لوسائل التواصل الاجتماعي (فايسيوك ومواقع إلكترونية) من أجل توصيل المطالب والانتظارات للمسؤولين، ولإبراز حجم معاناة هذه الفئات مع غياب الخدمات الأساسية للرأي العام. فقد أصبح الفيسبوك أحد القنوات الرئيسية في تصريف المظالم والتعبير عن الاحتجاج.

أما بالنظر إلى طبيعة الفئات المشاركة بهذه الاحتجاجات، يلاحظ اقتحام الأطفال والنساء لمسيرات الاحتجاج والتي تكون في الغالب على الأقدام. حيث يضطر سكان القرى إلى قطع مسافات طويلة من أجل إيصال مطالبهم للمسؤولين المحليين، سواء بمركز الأقاليم أو الجماعات الترابية التي يقطنون بها. الأمر الذي يدل عن حجم الإصرار على تحقيق المطالب التي ترفعها هذه الفئات الاجتماعية.

كيف يمكن تفسير احتجاجات الهوامش؟

لفهم تحول الاحتجاجات نحو الهوامش هناك مفتاحان يساعدان على تفسير هذا التطور:

العنصر الأول مرتبط بالسياسات العمومية وفشل مشاريع التنمية المحلية وما يعتريها من هشاشة في الاستجابة لمتطلبات وانتظارات شريحة واسعة من المواطنين. علاوة على حجم الفوارق الاجتماعية ما بين القرى والمدن. حيث أشارت إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط حول توزيع خريطة الفقر في المغرب أنه إلى حدود نهاية 2017، يتركز أزيد من أربعة ملايين فقير بشكل أساسي في القرى لا سيما في بعض الجهات من المملكة. وهذه المناطق هي التي تعرف في الغالب احتجاجات. ورغم التراجع النسبي للفقر متعدد الأبعاد، إلا أن هذا التقلص اقتصر فقط على المدن والحواضر 2% في حين تصل النسبة إلى أكثر من 17.7% في البوادي. وهذا يعني أن أكثر من 85% من فقراء المغرب يعيشون في المجال القروي8.

علاوة على ذلك، فإن فجوة الفوارق المجالية بين الجهات لا زالت كبيرة، خصوصا فيما يتعلق بتوفير الخدمات الأساسية من التغطية بالكهرباء وتطهير  الماء الصالح للشرب، وتوفير فرص الشغل والبنيات الصحية والتعليمية والإدارية. فحسب إحصائيات رسمية، تنتج جهتا الدار البيضاء والرباط لوحدهما حوالي نصف الناتج الداخلي الخام في المغرب، وخمس جهات أخرى (جهة طنجة-الحسيمة، مكناس-فاس، جهة مراكش، بني ملال-خنيفرة) تنتج 40 في المائة، في حين لا تتجاوز إنتاجية خمس جهات (الجهة الشرقية، درعة-تافيلالت، الجهات الجنوبية) 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام. ولتقليص الفوارق الاجتماعية الحالية بين الجهات إلى النصف، يحتاج المغرب إلى أربعة وعشرون سنة10. هذه التفاوتات الجهوية تمثل أيضا أحد الأسباب التي تدفع سكان المغرب العميق للاحتجاج.

العامل الثاني لفهم ديناميات الاحتجاجات الشعبية في المناطق المهمشة مرتبط ببروز دور الفرد داخل الجماعة. فالإحساس المشترك بالتهميش أفرز هوية مشتركة لدى الساكنة المحلية. إذ لعبت الفئات المتعلمة، وهم من أبناء المنطقة الذين استوفوا دراستهم الجامعية ورجعوا بمستوى تعليمي يؤهلهم لتعبئة أفراد منطقتهم على الاحتجاج، بالإضافة إلى الأطر التعليمية والنقابية والجمعوية التي تشكل تنسيقيات محلية من أجل قيادة عملية الاحتجاج دورا مهما في عملية التوعية. فقد أخذت التعبئة الاجتماعية صدى متنامي في الفضاءات القروية، وإلى بعض المدن الصغرى (بوعرفة، الحسيمة، زاگورة، صفرو، تيزنيت، إفني، زايو، تازة، طاطا، أيت بوعياش، جرادة، إلخ.) بفضل الدور الذي يلعبه الفاعلون الاجتماعيون الجدد، لا سيما الفئات المتوسطة الصاعدة والمتعلمة. إذ يلاحظ أن دور فعاليات المجتمع المدني المحلي لم يعد مقتصرا على العمل المدني التأطيري فقط، بل تعداه ليشمل العمل التعبوي والترافعي من أجل تحقيق بعض المكاسب المجتمعية المحلية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الوعي الحقوقي لدى ساكنة الهامش أعاد النظر في مفهوم الكرامة في علاقته بالشعور بـ الحكرة المجالية11 وكذلك بالإحباط الجهوي.

فكما سبقت الإشارة، فإن تآكل قنوات الوساطة المحلية بدأت تفرز هوية جماعية مشتركة بين السكان المحليين الذين يحسون بأن تهميشهم مرتبط بسياسات عمومية مقصرة في حقهم. هذه الفئات التي يجمعها وحدة المطالب، تسلك اليوم استراتيجيات مقاومة يتم التعبير عنها ليس فقط من خلال الاحتجاجات المستمرة ولكن أيضا عبر ممارسات يومية في الفضاء العام بشكل يعبر عن مواقفهم الرافضة للواقع الذي يعيشونه.

يظهر تآكل هذه الوسائط الاجتماعية بشكل لافت في تراجع الدور الذي تلعبه المنظمات النقابية، والأحزاب السياسية في تأطير الاحتجاجات. ففي السابق، كان لهذه المؤسسات دور في التعبئة للاحتجاجات، في حين أنها أصبحت مهمشة اليوم، وهو ما يؤكد ضعف آليات الوساطة الاجتماعية وضعف المؤسسات التمثيلية المنتخبة، وعجزها عن استيعاب المطالب والانتظارات الاجتماعية للمواطنين12.

كما خسرالأعيان المحليون الكثير من النفوذ. فلفترة طويلة كانوا  يلعبون دور الإطفائي لحصر هذه الاحتجاجات، ووأدها في مهدها. لكن مع تنامي الوعي الاحتجاجي المرتكز على فكرة التهميش الاجتماعي، و”الحكرة المجالية”، بالإضافة إلى ما أضحى يرتكز عليه بناء الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة، في المناطق القروية والمدن الصغرى المغربية على صلات التضامن والتآزر التقليدية، أخذت شرعية الوسطاء التقليديين تتآكل، وهو ما من شأنه أن ينتج حالة ضاغطة لا يستهان بقدرتها على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي مستقبلا13.وهذا ما تمت ملاحظته سواء في حركة الاحتجاجات التي شهدتها الحسيمة، أو في حركة الاحتجاجات التي عرفتها زاكورة أو جرادة مؤخرا، إذ بالرغم من محاولات التهدئة التي قادها وسطاء من الأعيان المحليين، من أجل إخماد لهيب هذه الاحتجاجات، إلا أنها لم تؤتي أكلها واستمر المحتجون في خوض أشكالهم النضالية وجها لوجه مع السلطات الأمنية.

.

خاتمة 

لم تعد الحركات الاحتجاجية حكرا على الأوساط الحضرية دون القروية. فالمطالب التي تنامت هي نتيجة إحساس سكان بعض الجهات بانعدام الأثر المترتبعن التنمية المجالية، والتهميش الذي تعانيه مناطقهم. ومن شأن فشل الحكومة والمجالس المحلية عن تلبية المطالب الاجتماعية الأساسية للقرى والمناطق المهمشة أن يؤدي إلى تنامي صدى الفعل الاحتجاجي بالمغرب العميق كشكل رئيسي لتصريف المظالم الاجتماعية.

كما أن الإحساس بالتهميش ولد هوية مشتركة مؤسسة على تضامن ترابي، بين أبناء القرية أو القبيلة الواحدة، تغذيه أواصر القرابة والانتماء إلى المجال الجغرافي الواحد، وإلى المعاناة المشتركة والمتقاسمة بين سكان المنطقة. وهو ما من شأنه أن يحوّل فعل الاحتجاج إلى قوة زاحفة هادئة تعطي لمضمون الاحتجاج في المغرب زخما جديدا، ليس فقط على مستوى طابع تحدي السلطات ولكن أيضا على مستوى قدرته على الضغط في تغيير الواقع. مما قد يصعب من مهمة تحجيمه مستقبلا، أو تبرير عملية حصره أمنيا، فالأمر لا يتعلق بحركات ذات قيادات محددة، ولا منظمة بهويات إيديولوجية قابلة للسيطرة عليها ولكن بحركات احتجاجية تضم حشد من الأشخاص.

ومن هنا على السلطات العمل على إيجاد حلول اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى، وتحقيق تنمية مندمجة ومستدامة بالجهات، عبر الرفع من كفاءة المؤسسات المحلية في التدبير، وتكثيف الرقابة على طرق تدبير الشأن العام المحلي.

أما على المدى المتوسط، من شأن المضي في تنزيل مشروع الجهوية، لا سيما الشق المتعلق بخلق صندوق التضامن بين الجهات أن يلعب دورا في تخفيف الفوارق بين الجهات، إلا أنه على المدى القريب، ينبغي على السلطات سلوك مقاربة مرنة في التعامل مع الاحتجاجات، وهذا يقتضي حوارا صريحا وجديا مع المواطنين لاسترجاع ثقتهم في المؤسسات.

 

الهوامش

 1  – عبد اللطيف بركة، إحدى عشرة ألف وقفة احتجاجية بالمغرب كل سنة…الظاهرة بين الحق والقانون، موقع هبة بريس، يونيو 2017 http://www.hibapress.com/details-109431.html  أنظر أيضا: الخلفي: إقليم الحسيمة شهد 700 وقفة..وتدخلات الأمن محدودة، موقع اليوم 24، يونيو 2017،  http://www.alyaoum24.com/887604.html

2  – أنظر عبد الرحمن رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر، منشورات منتدى بدائل المغرب، ماي 2014، ص41.

3- Pauvreté et prospérité partagée au Maroc du troisième millénaire, 2001-2014 : https://www.hcp.ma/Pauvrete-et-prosperite-partagee-au-Maroc-du-troisieme-millenaire-2001-2014_a2055.html

4 – أنظر: مصطفى الخلفي: إقليم الحسيمة شهد 700 وقفة..وتدخلات الأمن محدودة، موقع اليوم 24 http://www.alyaoum24.com/887604.html

5 – سعيد بنيس، “الحرك المتحرك” وعلاقته بـ”الحكرة المجالية”، موقع هيسبريس، نونبر 2017،

 6- أنظر الروابط:

عبد المجيد أمياي، بعد الريف رقعة الاحتجاج تتسع في المغرب العميق: /www.hespress.com/writers/372226.html

شيماء بخساس، احتجاجات العطش، موقع ألترا صوت: https://www.ultrasawt.com

7- محمد بنيس، مصدر سابق.

8- Pauvreté et prospérité partagée au Maroc du troisième millénaire, 2001-2014 : https://www.hcp.ma/Pauvrete-et-prosperite-partagee-au-Maroc-du-troisieme-millenaire-2001-2014_a2055.html

9- Medias24, 48% du PIB national réalisé dans deux régions, septembre 2016 : https://www.medias24.com/MAROC/ECONOMIE/ECONOMIE/166834-48-du-PIB-national-realise-dans-deux-regions.html

10- فطومة نعيمي، المغرب يحتاج 24 سنة لتقليص الفوارق الاجتماعية و المجالية بمايناهز 50 في المائة، موقع أحداث أنفو، أكتوبر 2016 http://ahdath.info/230343

11- سعيد بنيس، مصدر سابق.

12- أحمد الحليمي، المغرب يحتاج 24 سنة لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بما يناهز 50 في المائة، موقع أحداث أنفو، أنظر الرابط: http://ahdath.info/230343

13-  عبد الرحمان رشيق، مرجع سابق، ص 47.

14- المرجع السابق، ص 51.

عبد الإله سطي

عبد الإله سطي

عبد الإله سطي باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري، بجامعة محمد الخامس أكدال الرباط، له العديد من الأبحاث والدراسات في مجلات علمية محكمة. صدر له كتاب ما بعد الإسلام السياسي في المغرب، وكتاب صناعة القرار السياسي بالمغرب، والملكية والإسلاميون. مهتم بقضايا الإسلام السياسي، والتحولات السياسية والاجتماعية بالمنطقة العربية.


اترك تعليقاً

Leave a Reply

Your email adress will not be published. Required fields are marked *

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. يتم وضع علامة على الحقول المطلوبة *


المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.



القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشورات المعهد من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ينظمها المعهد، المرجو التسجيل في القائمة البريدية.