ما وراء مناجم جرادة: ماذا عن دور الفاعلين غير الحكوميين؟

ما وراء مناجم جرادة: ماذا عن دور الفاعلين غير الحكوميين؟

كاتيا برادةكاتيا برادة2 أغسطس 20181min10720
إلى جانب دور الحكومة في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية في جرادة، قد يلعب الفاعلون غير الحكوميون دوراً حاسماً في التنمية الاقتصادية المحلية

إلى جانب دور الحكومة في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية في جرادة، قد يلعب الفاعلون غير الحكوميون دوراً حاسماً في التنمية الاقتصادية المحلية

 

*  يشكل هذا المقال مقدمة لسلسلة من أوراق السياسات حول احتجاجات جرادة في المغرب

 

في يونيو سنة 2018 زعمت منظمة هيومن رايتس وتش (Human Rights Watch) أن السلطات المغربية أفرطت في استعمال القوة ضد المحتجين في مدينة جرادة. وأكدّت المنظمة في بيان صحفي لها أنه تم اعتقال بعض قيادي الاحتجاجات، وأن معاملتهم أسيئت خلال فترة الاحتجاز. من جهتها، أنكرت السلطات المغربية هذه المزاعم، وأكدّت أن الاعتقالات تمت وفقا للقانون. لقد انطلقت شرارة حركة الاحتجاجات بجرادة بعدما فقد اثنان من عمال المناجم أرواحهم في 22 من ديسمبر 2017، لما كانوا يشتغلون في ظروف خطيرة في واحد من مناجم الفحم المهجورة. وفي الوقت الذي اتسمت فيه الاحتجاجات بالطابع السلمي عند انطلاقه في ديسمبر 2017، بدأت الشرارة الأولى لأعمال العنف في أواسط شهر مارس 2018 بعدما قمعت السلطات المغربية المحتجين. وقد أفادت بعض التقارير حدوث بعض المواجهات والإصابات بين الساكنة المحلية وقوات الأمن في اليوم الموالي.

وبغض النظر عن الاحتجاجات، فمنطقة جرادة كانت، ولمدة طويلة، واحدة من المناطق المغربية المهمشة والمقصية من حسابات التنمية السوسيو-اقتصادية، وذلك بعد إغلاق منجم كبير للفحم سنة 1998. الشركة التي كانت تدير المنجم، تحت إسم مفاحم المغرب (Charbonnage du Maroc)، كانت هي أكبر مشغل في جرادة، وبالتالي فإغلاقها أثر بشكل كبير على المنطقة وأدّى بالمدينة إلى حالة من الإفلاس والتفقير، وأصبحت المدينة منذ ذلك الوقت واحدة من أفقر المدن في المغرب، بنسبة بطالة تتجاوز 30%، وهي نسبة عالية مقارنة مع النسبة المئوية الوطنية التي تستقر عند 10%، كما أن معدل الفقر بهذه المدينة يصل إلى 11%، والذي يتجاوز بستة نقاط المعدل الوطني الذي أعلنته المندوبية السامية للتخطيط.

لقد كان منجم الفحم في جرادة يعتبر أكبر منجم من نوعه في شمال إفريقيا، وكان يشغل الآلاف من العمال لمدة تجاوزت 70 عاما. وكان السبب وراء إغلاقه مرتبطا بالعرض والطلب الدوليين على الفحم والأثمنة المتعلقة بهما، بحيث تم اعتبار مردودية المنجم منعدمة. وعلى الرغم من ذلك، بقي المئات من السكان المحليين يخاطرون بحياتهم يوميا من أجل استخراج كميات قليلة من فحم الانثراسيت بغرض بيعه وسد رمق عائلاتهم، بالرغم من ظروف العمل التي تتضمن مخاطر عالية. فالسكان الذين يخاطرون بدخولهم إلى المنجم ليسوا مزودين بملابس واقية، كما أن المنجم لم يعرف أعمال الصيانة منذ إقفاله الرسمي نهاية التسعينات من القرن الماضي.

وفي زيارة له للجهة الشرقية في فبراير من العام الجاري 2018، أعلن رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، عن إطلاق مخطط تنمية من أجل الاستجابة لتظلمات الساكنة ومتطلباتهم السوسيو اقتصادية. وقد هدف المخطط إلى تطوير ظروف عيش سكان المنطقة، وأكد على جلب استثمارات في ميادين الفلاحة، والتعليم، والمقاولاتية (Entrepreunariat)، والبنى التحتية الاجتماعية. ومن أجل تأكيد الالتزام بمخطط التنمية هذا، تم تحديد جدول زمني من أجل تنفيذه. إلا أنه لم يتم تنفيذ شيء من ذلك لحد الآن، وموجة الاحتجاجات لا زالت مستمرة، مما يدل على انعدام الثقة في مؤسسات الدولة.

واليوم، تمتلك الحكومة المغربية دورا مهما لتلعبه في تنمية المنطقة بشكل شمولي، وتضمن أيضا احتراما تاما للحق في الاحتجاج السلمي، واحترام دولة الحق والقانون. إلا أن مؤسسات الدولة لوحدها لا يمكنها أن تتحمل كل أعباء التنمية الاقتصادية، فالفاعلون غير الحكومين لديهم أيضا دور مهم يقومون به في هذا المسار. فنظريات التنمية الكلاسيكية، والتي كانت تعتبر الدولة المحرك المركزي والقائد الأوحد للتغيير، تمت خلخلتها في سنوات الثمانينيات بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة. وخلال مرحلة برنامج التقويم الهيكلي المغربي خلال عقد الثمانينات دافعت مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على موضوع تقوية القطاع الخاص مع تقليص الأدوار الاقتصادية للدولة. في ذلك الوقت، كانت مثل هاته السياسات تتم على حساب فئة معينة من السكان، وهم أولئك الذين كانوا يعبرون عن إحساسهم بالتهميش جراء تلك السياسات. لقد أثارت تلك التدابير الحاجة للالتزام مع المجموعات السكانية المحرومة، وتمت الاستجابة لها من خلال إطلاق مشاريع صغيرة كان تنفيذها يتم في الغالب من طرف جمعيات المجتمع المدني. ومن المعلوم أنه ومنذ 1999، تزايد عدد منظمات المجتمع المدني بشكل مطرد بحيث أدى إلى ما يمكن أن نسميه ثورة المجتمع المدني على الصعيد العالمي. كما أن دور الجمعيات انتقل من مجرد تنفيذ بعض مشاريع التنمية الصغيرة محليا، أو ما قد يُصطلح عليه بمقاربة الإمداد أو العرض، إلى مقاربة مؤثرة ومتعلقة بالطلب تلعب فيها منظمات المجتمع المدني دورا قياديا يتمثل في مساعدة المجتمعات المحلية على التعبير على حاجياتها وانشغالاتها، وعلى أن تصبح مشاركا أكثر فاعلية في العملية التنموية.

وفي حين انكبت بعض الدراسات على البحث حول دور الحكومة في حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في جرادة، ستسعى هذه السلسلة من أوراق السياسات، وبنفس القدر من الأهمية، إلى تسليط الضوء على دور الفاعلين غير الحكوميين، آخذين بعين الاعتبار المبدأ القائل بأن مؤسسات الحكومة لوحدها غير قادرة على إنتاج حلول للمشاكل المستعصية والمعقدة كما هو الحال في جرادة. إن مقاربة مساهمة الفرقاء المتعددين، والتي تأخذ بعين الاعتبار أهمية الدولة، والسوق، والمجتمع المدني قد تنتج إطارا شاملا للتحليل. ولذلك، فمجموعة الأوراق السياسية هاته سوف تعالج ما يلي:

  • المسؤولية الاجتماعية للصناعات الاستخراجية في التنمية المحلية: فالصناعات التعدينية تؤثر على بيئة وحياة المجتمعات المحلية التي تعيش بجانب المناجم، وبدون مخططات لتقليل الآثار، يمكن للآثار المترتبة عن تلك الصناعات أن تخلق مشاكل للساكنة المجاورة. واليوم، يجب على مثل هاته الشركات أن تلتزم بممارسات مسؤولة اجتماعيا (أي الانخراط في مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) من أجل ضمان الاستدامة.
  • دور المجتمع المدني في إيصال المطالب الشعبية للمسؤولين: لما تكون الدولة مجبرة على المحافظة على الحق في التظاهر السلمي، على منظمات المجتمع المدني أن تلعب دورا أكثر أهمية يتجاوز مسألة التعبير على الاحتجاج فقط. فمنظمات المجتمع المدني قد تجلب أشكالا جديدة من التضامن والتآزر تقطع مع الممارسات القديمة وتطالب بممارسات تشملها الحكامة الجيدة. إن حركات الاحتجاج التي تجتاح المغرب لأكبر دليل على فشل الأحزاب السياسية في الدفاع على المتطلبات الأساسية للمواطن العادي. وحتى وإن لم تكن بديلا عن الأحزاب السياسية أو مؤسسات الحكومة، فمنظمات المجتمع المدني قد تكون أمثل تعبير عن اهتمامات ومصالح المجتمعات المحلية. وقد يكون لحركة الاحتجاجات في جرادة تأثير أكبر إذا تم تدعيمها وتتميمها بأنشطة منظمات المجتمع المدني المحلية.
  • الحاجة إلى دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة كمحرك للتنمية الاقتصادية: فالمقاولات الصغرى والمتوسطة لديها دور محوري في إنتاج، وخلق، وتوزيع القيمة المضافة وتوفير فرص الشغل. كما أن ذاك النوع من المقاولات تعتبر مكونا محوريا في الاقتصادات الناشئة. ففي جرادة، مثلا، وبما أن الساكنة تطالب ببدائل اقتصادية، فعلى الدولة أن تفكر في خلق بيئة محفزة لظهور وتطور المقاولات الصغرى والمتوسطة، كجزء من سياساتها العمومية في هذه المدينة.
كاتيا برادة

كاتيا برادة

باحثة مشاركة في مركز دراسات مغربي. قبل العودة إلى المغرب، عملت كاتيا لفائدة وكالة تصنيف وشركات استشارية في فرنسا وبلجيكا. حصلت كاتيا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية غرونوبل للأعمال. تتمحور اهتماماتها البحثية الحالية حول التغييرات المؤسساتية، وديناميات ريادة الأعمال، والتنمية الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


اترك تعليقاً

Leave a Reply

Your email adress will not be published. Required fields are marked *

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. يتم وضع علامة على الحقول المطلوبة *


المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.



القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشورات المعهد من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ينظمها المعهد، المرجو التسجيل في القائمة البريدية.

Fill the forms to signup