تعميم الحماية الاجتماعية: تأسيس لدولة الرعاية أم تكريس لسياسة التخلي؟

تعميم الحماية الاجتماعية: تأسيس لدولة الرعاية أم تكريس لسياسة التخلي؟

عبد الرفيع زعنون24 يناير 20227min18880
يقترح القانون الإطار رقم 09.21 تصورا جديدا لتعميم الحماية الاجتماعية، إلا أن تمويل هذا المشروع يتطلب إلغاء صندوق المقاصة والرفع من التمويل الجبائي للسياسة الاجتماعية، وهو ما قد يؤثر على الفئات الاجتماعية الهشة

 

يقترح القانون الإطار رقم 09.21 تصورا جديدا لتعميم الحماية الاجتماعية، إلا أن تمويل هذا المشروع يتطلب إلغاء صندوق المقاصة والرفع من التمويل الجبائي للسياسة الاجتماعية، وهو ما قد  يؤثر على الفئات الاجتماعية الهشة.

 

ملخص تنفيذي

يقترح القانون الإطار رقم 09.21 تصورا جديدا لتعميم الحماية الاجتماعية لتشمل فئات جديدة، وهو ما من شأنه أن يوسع من دائرة المستفيدين من التأمين الاجتماعي. إلا أن تمويل هذا المشروع يتطلب إلغاء صندوق المقاصة والرفع من التمويل الجبائي للسياسة الاجتماعية، وهو ما يعني التحرير الشامل لأسعار المواد الأساسية تبعا لمنطق السوق، الأمر الذي سيؤثر على الفئات الاجتماعية الهشة.

 

مقدمة

اتسمت السياسات الاجتماعية بالمغرب خلال العقود الماضية بالطابع التجزيئي والظرفي، بحيث لم تُدرج التدابير المتخذة ضمن استراتيجية متكاملة، سواء فيما يتعلق بتحسين مؤشرات الحماية الاجتماعية أو فيما يخص توسيع الاستفادة من الدعم الاجتماعي، الأمر الذي أورث تراكم الخصاص والهشاشة لدى فئات واسعة من السكان إلى درجة التأثير على السلم الاجتماعي في بعض الفترات.

للتخفيف من حدة الفجوة الاجتماعية التي ازدادت اتساعا عقب جائحة كوفيد 19 وبغية مأسسة شبكات الأمان الاجتماعية شرعت الدولة في صياغة تصور جديد للحماية الاجتماعية عبر القانون الإطار رقم 09.21 الذي تم التصويت عليه في البرلمان في شهر مارس 2021 بهدف تحسين الولوج لخدمات الضمان الاجتماعي، إلى جانب إصلاحات أخرى مرتبطة بتقنين التدخل الاجتماعي عبر تطوير منظومة الاستهداف.

انطلاقا من هذه المستجدات، يبدو أن التأثير الظرفي لورش تعميم الحماية الاجتماعية يُوحي بعودة دولة الرعاية، من خلال توسيع دائرة المستفيدين من هذه البرامج. لكن التأثيرات البعيدة المدى تذهب في اتجاه تعميق دولة الحد الأدنى عبر توظيف مقاربات جديدة للتمويل والاستهداف ستكرس عمليا انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي. ومن هنا تسعى هذه الورقة إلى تحليل ما إذا كان قانون الحماية يُبشِّر بتقوية النزعة التدخلية للدولة في حماية الفئات الاجتماعية الهشة أم أنه على النقيض من ذلك يُنذِر بنزع ما تبقى من تمظهرات الدولة الراعية.

 

1.    محدودية برامج الحماية الاجتماعية

لم تُسفر البرامج الاجتماعية المطبقة منذ الاستقلال عن بلورة رؤية مندمجة للحماية الاجتماعية في ظل ضعف الإطار التشريعي المُحدد لضمانات الحكامة والاستهداف والنجاعة في تدبير السياسات الاجتماعية، ولتجاوز هذا النهج المتذبذب في معالجة المعضلة الاجتماعية تم إصدار القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية الذي شكل مُؤشرا دالا على مراجعة الدور الاجتماعي للدولة.

لقد ظل تعاطي الدولة مع المعضلة الاجتماعية خلال العقود الماضية متأرجحا بين سياسات انتقائية تبتغي تصحيح التفاوتات الاجتماعية والمجالية الناجمة عن سوء توزيع الثروات والخدمات[1]، وبين سياسات استدراكية للتخفيف من الآثار السلبية لبرنامج التقويم الهيكلي خلال سنوات الثمانينات من القرن الماضي التي عملت على تقليص الاستثمار الحكومي في القطاعات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، حيث برز جليا ضرورة القطع مع سياسات التخلي، التي ربما مَكَّنت من التحكم نسبيا في التوازنات الماكرواقتصادية، إلا أنها أثرت سلبا على التماسك الاجتماعي وشبكات الحماية الاجتماعية للسكان[2].

مع بداية الألفية سلكت الدولة مسارا جديدا يسعى إلى تحقيق نوع من التكامل بين المساعدة الاجتماعية والضمان الاجتماعي، ففي المستوى الأول تم إحداث وكالة التنمية الاجتماعية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن سنة 1999، وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 لتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة بالمغرب[3]، وفيما يتعلق بالضمان الاجتماعي تم وضع مدونة الشغل في 2003، ومدونة التغطية الصحية الأساسية التي أحدث بموجبها نظام المساعدة الطبية لفائدة المعوزين الذي تم تعميمه سنة 2012 بعد فترة تجريبية بجهة تادلة أزيلال منذ 2008، وهو المسار الذي تعزز بتأكيد دستور 2011 على دور الدولة في تيسير استفادة جميع المواطنين من الحق في الحماية الاجتماعية، وبتوقيع المغرب على أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2015 كالتزام مشترك بين الدول لتعميم الحماية الاجتماعية لفائدة الجميع في أفق 2030[4].

إلا أن نتائج هذه الإصلاحات كان محدودة، بسبب هيمنة القطاع غير المهيكل على الاقتصاد وعدم استفادة فئات واسعة من برامج الحماية الاجتماعية. فحصة العاملين في القطاع غير المهيكل بلغت28.7%  من إجمالي اليد العاملة[5]، وهو وضع يجعل هذه الفئة خارج دائرة الحماية الاجتماعية، فضلا عن محدودية استفادة الأجراء من الضمان الاجتماعي، حيث لا يتجاوز عدد المستفيدين من التغطية الصحية 40% ولا يستفيد من الحق في التقاعد إلا حوالي 42,5% من الساكنة النشيطة العاملة[6]، وهو الوضع الذي ظهر بشكل أكثر حدة عقب جائحة كوفيد 19، حيث احتاج حوالي %62 من المواطنين للدعم المباشر الذي قدمته الدولة إبان هذه الفترة عبر صندوق مخصص لذلك، إذ تسببت الجائحة في فقدان نحو 712 ألفا لوظائفهم في القطاع الرسمي وما لا يقل عن 4 ملايين فرصة عمل في القطاع غير الرسمي، مع ارتفاع نسبة المواطنين في وضعية فقر وهشاشة لتناهز %19.87 سنة 2020 مقابل 17,5% سنة 2019 بزيادة تجاوزت مليون شخص[7].

هذه التحديات دفعت الدولة إلى صياغة أجوبة مستعجلة، حيث دعا الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش في يوليوز 2020 إلى مراجعة منظومة الحماية الاجتماعية التي يطبعها التشتت وضعف التغطية والنجاعة[8]، كما دعا الملك بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان في أكتوبر 2020[9] إلى توسيع أنظمة الحماية الاجتماعية لتشمل خدماتها مختلف شرائح المجتمع، وهي التوجهات التي ضُمِّنت في القانون الإطار رقم 09.21، الذي نص على تكثيف المجهود العمومي خلال الخمس سنوات المقبلة لتعميم الحماية من المخاطر المرتبطة بالمرض والطفولة والشيخوخة وفقدان الشغل[10].

 

2.    تجليات الدولة الاجتماعية في ضوء توجهات القانون الإطار رقم 09.21

في شهر مارس صادق مجلس النواب بالإجماع على القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، كورش مهيكل للتدخل العمومي في المجال الاجتماعي وفقا لتصور جديد يتعامل مع الحماية الاجتماعية في مفهومها الشامل كما حددته الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، حيث نصت ديباجة القانون الإطار على ضرورة تكثيف الجهود من أجل بناء منظومة حماية اجتماعية قادرة على الحد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، في ضوء التداعيات التي أفرزتها جائحة كوفيد-19

جاء القانون الإطار بتصور طموح لتعميم الحماية الاجتماعية استنادا على مبادئ جوهرية تتمثل في التضامن والاستباق وعدم التمييز والمشاركة، على أن يتم تنزيلها عبر مراجعة التشريعات المتعلقة بالتغطية الصحية والضمان الاجتماعي وبالمنظومة الصحية وبعرض العلاجات، إضافة إلى إصدار النصوص التطبيقية الضرورية لتنفيذ مقتضياته، ويُنتظر في عملية التأطير التشريعي والتنظيمي الانضباط للتصور الدستوري وللإطار المعياري الدولي للحماية الاجتماعية، كما أولى القانون عناية خاصة لمتطلبات الحكامة، بالتنصيص على آلية تسيير تتمثل في الهيئة الموحدة للتدبير، وعلى آلية قيادة مكلفة بتتبع تنفيذ التدابير المتخذة والتنسيق بين مختلف الفاعلين، الأمر الذي يُؤشِّر على وجود إرادة لاستعادة الدولة لزمام المبادرة في قيادة السياسات الاجتماعية.

يتميز القانون الإطار كذلك ببعد أولوي واضح بالتنصيص على تنفيذه تدريجيا ضمن أجندة زمنية تمتد طيلة خمس سنوات في أفق 2025، بحيث مُنحت الأسبقية لتعميم نظام التأمين الإجباري عن المرض ليشمل 22 مليون مستفيدا إضافيا على فترات متعاقبة بدءا من هذه السنة، حيث تم -بموجب قانون المالية لسنة 2021- إدماج الفئات الخاضعة للمساهمة المهنية الموحدة (CPU) والبالغ عددهم 800 ألف تاجر وصانع، على أن يتم دمج 1.2 مليون من الفلاحين و500 ألف صانع تقليدي و220 ألفا من حرفيي النقل و80 ألفا من أصحاب المهن الحرة، على أن يتم في سنة 2022 الإدماج الكلي للفئات المعوزة المستفيدة من نظام المساعدة الطبية البالغ عددهم 11 مليونا[11].

المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية، فبراير 2021.

بخصوص تعميم نظام التعويضات العائلية تم تخصيص 14.5 مليار درهم لتغطية المخاطر المرتبطة بالطفولة في أفق 2024، أما الحزام الثالث للحماية فيشمل توسيع الاستفادة من الحق في التقاعد ليشمل العمال المهنيين وأصحاب المهن الحرة وفق مقاربة جديدة يراهن عليها في إدماج خمسة ملايين من الساكنة النشيطة في منظومة التقاعد في أفق 2025. وضمن نفس الأفق يندرج تعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل بالنسبة لكل شخص يتوفر على عمل قار، في أفق تجاوز الوضعية السابقة، حيث انحصر عدد المستفيدين من نظام التعويض عن فقدان الشغل في 74 ألفا خلال الفترة 2016-2020[12]، وذلك بحكم الشروط المعقدة التي فرضها الظهير المنظم للضمان الاجتماعي الذي حصر خدمة التعويض عن الشغل في حالات ضيقة ووفق شروط تعجيزية تجعل الاستفادة من هذه الخدمة ضربا من المستحيل[13].

تبلغ التكلفة السنوية لتعميم الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية 51 مليار درهم، موزعة بين 28 مليار درهم تتأتى من آلية الاشتراك بالنسبة للأشخاص الذين تتوفر لديهم القدرة على المساهمة، و23 مليار درهم سيتم تحصيلها في إطار تضامني بالنسبة للأشخاص الذين لا تتوفر لديهم هذه القدرة[14]، وهو ما يعني أن حوالي %45 من الوعاء المالي لورش تعميم الحماية الاجتماعية سيتأتَّى من مصادر تضامنية، وستطرح طبيعة هذا التمويل تداعيات عديدة حول استدامة الإطار المالي لأنظمة الحماية الاجتماعية، وحول الآفاق المستقبلية لموقع الدولة في تدبير السياسات الاجتماعية.

 

3.    كيف سيتم تدبير وتمويل برنامج الحماية الاجتماعية الجديد؟

بالرغم من الإرادة السياسية التي عبر عنها القانون الإطار ثمة عدة مؤشرات توحي بتعميق سياسات التخلي، من خلال توسيع مجالات التمويل التضامني لمنظومة الحماية الاجتماعية مقابل تفكيك صندوق المقاصة، كما أن وضع السجل الاجتماعي الموحد قد يُشكِّل إطارا مرنا لتجاوز فكرة الدولة الاجتماعية، بحيث سيتم حصر الدعم العمومي ضمن تدابير “تقنوية” قد ينجم عنها تضييق عدد المستفيدين من البرامج الاجتماعية.

ستطرح المزاوجة بين نظامي الاشتراك والتضامن إشكالات عديدة عند التطبيق، ففي غياب أرضية معيارية صلبة لتحديد مؤشرات الفقر فإن التمويل الجبائي للسياسات الاجتماعية سيفقد مغزاه وقد يؤدي إلى عكس مبتغاه. ونشير على سبيل المثال إلى فرض الحكومة بموجب قانون المالية لسنة 2021[15] لمساهمة اجتماعية على الأرباح والدخل على كل موظف أو أجير يساوي أو يفوق أجره الشهري 20 ألف درهم شهرياً في حدود1,5%  من الأجر الصافي، وقد كان مشروع القانون يذهب في اتجاه فرض هذه المساهمة على كل من يفوق أجره 10 ألف درهم قبل تعديله بعد موجة من الانتقادات داخل وخارج البرلمان، مما يوحي بغياب تصور مندمج لمبررات ومآلات التمويل التضامني للحماية الاجتماعية.

من المهم أن يكون تمويل تدابير الحماية الاجتماعية مدمجا ضمن منظور متكامل للعدالة الاجتماعية، بدل أن يظل حبيس نظرة تجزيئية قد تسهم في حماية فئات مقابل إفقار أخرى، أو مشجبا لتبرير انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي، وتكريس سياسات التخلي عبر مدخل إصلاح صندوق المقاصة[16] من دون إجراءات مصاحبة. حيث تعتزم الحكومة توجيه تكاليف صندوق المقاصة نحو آليات مندمجة للحماية الاجتماعية والسجل الاجتماعي الموحد وبشكل خاص لتمويل تكاليف الصحة[17]، وهو ما يعني تخصيص الموارد الناتجة عن السحب التدريجي لدعم الدولة للمواد الغذائية والطاقية لتمويل تدابير الحماية الاجتماعية، مما يعني الإنهاء التدريجي لصندوق المقاصة.

ولعل هذا ما يفسر دعم البنك الدولي لهذا الإصلاح، حيث التزم بتخصيص 400 مليون دولار لدعم الحكومة في القيام بالإصلاحات “المنهجية” لنظام الحماية الاجتماعية، عبر وضع السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد وإرساء الوكالة الوطنية للسجلات [18]، وهو ما يطرح توجسات حول الآثار الجانبية لهذا المشروع في ضوء مآلات بعض التجارب التي واكبها البنك الدولي، باتخاذ تعميم الحماية الاجتماعية كمدخل ناعم لتوجيه الميزانية العامة لخدمة شروط الاستدانة على حساب الأولويات الاجتماعية كما حصل في المكسيك، وهو ما بدأت بعض تطبيقاته تظهر في التجربة المغربية، في ظل ضعف إعمال التدابير المواكبة للحيلولة دون إضرار بعض الإصلاحات بالقدرة الشرائية للمواطنين، كما هو الحال مع برنامج “تيسير” الذي تُغطى ميزانيته من الموارد الناجمة عن حذف دعم المواد الغذائية والطاقية، مما يجعله لا يخدم فقط توسيع تغطية الحماية الاجتماعية بكل البلاد بل إن نتائجه قد تخدم في المقام الأول تحقيق توازن الميزانية[19].

 

4.    السجل الاجتماعي الموحد أداة للاستهداف أم لتقليص الدور الاجتماعي للدولة؟

إن التقليص التدريجي للدعم العمومي للمواد الأساسية يندرج ضمن تحجيم الدور التدخلي للدولة، وفق منهجية جديدة للاستهداف تتوخى تقليص الموارد المرصودة للسياسات الاجتماعية، استنادا على السجل الاجتماعي الموحد[20] كأداة لتحقيق استهداف أكثر فعالية للفئات الاجتماعية المستحقة للدعم[21]، حيث ستسهر الوكالة الوطنية للسجلات على المعالجة الإلكترونية للمعطيات المتعلقة بالأسر، وتنقيط هذه الأخيرة وفقا لمؤشرات اقتصادية واجتماعية تقيس مستوى العيش، ومن ثم إعداد القوائم الإسمية للأسر متضمنة نتائج التنقيط الخاصة بكل أسرة وكذا المعطيات المتعلقة بها من أجل الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي على أساس العتبة المحددة لكل برنامج.

وعلى الرغم من ارتباط عمليات الدعم والحماية الاجتماعية بإحداث السجل الاجتماعي الموحد، فإن إرساءه بشكل كامل لن يتحقق إلا في سنة 2025، بحيث لم تُصدر الحكومة إلى حدود الآن المراسيم المحددة لكيفيات التقييد في السجل والصيغ الحسابية لتحديد شروط الاستفادة من برامج الدعم، ناهيك عن التأخر الحاصل في وضع النظام المعلوماتي الخاص بتدبير قواعد البيانات الاجتماعية والجاري إعداده منذ 2018 بالشراكة مع المعهد الدولي لتكنولوجيا المعلومات في إطار نقل التجربة الهندية، على الرغم من كون هذه الأخيرة لم تتمكن من تعميم النظام العام للتعريف “أدهار” (Aadhaar)[22]، ناهيك عن الاختلالات التي لا زالت تشوبه، حيث أفضت عمليات التصفية إلى حرمان فئات واسعة من المواطنين من التمتع بالحقوق الاجتماعية وبالخدمات المجانية المكفولة بموجب الدستور[23].

إضافة إلى مخاطر الاستهداف غير الدقيق، ثمة منزلقات أخرى تتصل ببناء قواعد بيانات غير قادرة على الإحاطة بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية لفئات عريضة تشتغل في الاقتصاد غير الرسمي، والتي تناهز بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية %60 من مجموع القوى العاملة[24]، بمعنى أن عمليات التنقيط ستكون شبه مستحيلة بالنسبة لقطاعات الاقتصاد غير المهيكل في غياب شواهد العمل والأداء التي تثبت وضعية رب الأسرة، كما أن استمرار أنشطة غير مُهيكَلة لا يسمح بمعرفة حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وهو ما يحتم وضع تدابير تفصيلية لإدماج هذا القطاع في الاقتصاد الوطني كمنح بطاقات مهنية تسمح للعاملين به من الولوج إلى التكوين المهني وإلى بعض الطلبيات العمومية والتسهيلات الجبائية، مقابل توسيع الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية[25].

 

خاتمة

مقابل المكاسب الآنية المتوقع مراكمتها خلال خمس سنوات المقبلة، يطرح ورش تعميم الحماية الاجتماعية تأثيرات بعيدة المدى على موقع الدولة في وضع السياسات الاجتماعية. فمن خلال فرض “تضامن قسري” ستقوم الدولة برفع يدها عن دعم المواد والخدمات العمومية عبر تفكيك تدريجي لصندوق المقاصة الذي طالما شكل التعبير الأخير للدولة الراعية، وهو ما قد يهدد بتعميق الفجوة الاجتماعية، ويسير في اتجاه تكريس مدخل ناعما لسياسة التخلي، وهو مسعى ما فتئ يحظى بدعم الهيئات المانحة في سياق التأسيس ل”تقويم هيكلي سلس” وتمكين استراتيجي لمقاربة أقل ما يمكن من الدولة.

إن التحديات الراهنة تُظهر مدى الحاجة إلى استعادة الوظيفة الاجتماعية للدولة ضمن رؤية شمولية لنموذج “دولة الرعاية الاجتماعية” التي يجب أن تسعى إلى ضمان التوزيع العادل للثروة بكيفية تعالج التصحيح التلقائي لمظاهر التفاوت، واستئصال جذور اللاحماية بدل الاستمرار في معالجة الأعراض. ومن هنا من المفيد وضع مقاربة مندمجة لتمكين المغرب من الوفاء بمتطلبات الإطار المعياري العالمي وإعمال المقتضيات الدستورية والتشريعية المتعلقة بالضمان والمساعدة الاجتماعيين[26]، مع توجيه برامج الحماية الاجتماعية نحو تحقيق التماسك الاجتماعي كشرط ضروري لتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية المندمجة، مع الوعي بمخاطر توظيف التمويل التضامني لتوسيع سياسات التخلي ولفرض تحمل العبء على الطبقة المتوسطة، بشكل قد يخل بالتوازن المطلوب بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وما لذلك من تداعيات قد يصعب التحكم فيها في ظل “عالم ما بعد كوفيد 19”.

 

المراجع
  • آنا جايكويز، هل سيؤدي كوفيد 19 إلى إصلاح القطاع الصحي في المغرب؟، شوهد بموقع المعهد المغربي لتحليل السياسات في 27 ماي 2021، في: https://mipa.institute/7859
  • تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة، إنجازات العمل الحكومي 2017-2021، رئيس الحكومة، 2021.
  • تقرير أنشطة هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، الرباط، 2019.
  • تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب مشروع القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الدورة الاستثنائية برسم السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة 2021.
  • تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمنظومة الصحية، مجلس النواب، أبريل 2021.
  • الحماية الاجتماعية في المغرب واقع الحال، الحصيلة وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة ذاتية رقم 2018/34.
  • عرض وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة أمام مجلس النواب بمناسبة التصويت على مشروع القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، 15 مارس 2021، ص، 5، شوهد في 2 ماي 2021 في: https://bit.ly/3c4a8nq
  • القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية الصادر بتنفيذه الظهير شريف رقم 1.21.30 الصادر في 9 شعبان 1442 (23 مارس 2021)، جريدة رسمية عدد 6975-22 شعبان 1442(5 أبريل 2021).
  • المادة 25 من القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.77 في 18 من ذي الحجة 1441 (8 أغسطس 2020). جريدة رسمية عدد 6908 بتاريخ 23 ذو الحجة 1441(13 أغسطس 2020).
  • المادة 272 من قانون المالية رقم 65.20 للسنة المالية 2021 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.90 الصادر في فاتح جمادى الأولى (16 ديسمبر 2020)، جريدة رسمية عدد 6944 مكرر-3 جمادى الأولى 1442 (18 ديسمبر 2020).
  • ماكس غالين، فهم الاقتصادات غير الرسمية في شمال إفريقيا: من القانون والنظام إلى العدالة الاجتماعية، مؤسسة فريدريش إيبرت، تونس، 2018.
  • مشروع الحماية الاجتماعية للاستجابة الطارئة لمواجهة جائحة فيروس كورونا في المغرب، البنك الدولي، 2020.
  • الملاءمة ومدى توافق برامج الحماية وسياسات الدعم الاجتماعي، مركز الدراسات والبحوث في الشؤون البرلمانية، مجلس المستشارين، 2019.
  • النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، أبريل 2021.
  • Christophe Jaffrelot Et Nicolas Belorgey, l’identification biométrique de 1,3 milliard d’indiens milieux d’affaires, état et société civile, les études du CERI – n° 251, 2020.
  • Impact social & économique de la crise du covid-19 au Maroc, haut-commissariat au plan, système des nations unies au Maroc et banque mondiale, 2020.
  • Jaidi, Larbi. Economic and Social Change in Morocco: Civil Society’s Contributions and Limits. The Arab transitions in a changing world: building democracies in light of international experiences. Senén Florensa. Barcelona: Institut Europeu de la Medditerrània, 2016.
  • Mario Györi, Fábio Veras Soares Et Alexis Lefèvre, tayssir : le premier programme de transferts monétaires conditionnels de la région mena, la revue policy in focus, volume 14, numéro 3, 2017.
  • Mohamed Mouaquit, droits économiques et sociaux, in” développement démocratique et action associative au Maroc”, publications d’espace associatif, Rabat, 2004.

Rapport mondial sur la protection sociale : protection sociale universelle pour atteindre les objectifs de développement durable, organisation in

 

الهوامش

[1] Jaidi, Larbi. Economic and Social Change in Morocco: Civil Society’s Contributions and Limits. The Arab transitions in a changing world: building democracies in light of international experiences. Ed. Senén Florensa. Barcelona: Institut Europeu de la Medditerrània, 2016, p.145.

[2] Mohamed Mouaquit, droits économiques et sociaux, in” développement démocratique et action associative au Maroc”, publications d’espace associatif, Rabat, 2004, p.86.

[3]  آنا جايكويز، هل سيؤدي كوفيد 19 إلى إصلاح القطاع الصحي في المغرب؟، شوهد بموقع المعهد المغربي لتحليل السياسات بتاريخ 27 ماي 2021 على الرابط التالي: https://mipa.institute/7859

[4] Rapport mondial sur la protection sociale : protection sociale universelle pour atteindre les objectifs de développement durable, organisation internationale du travail, Genève, 2017, p.3.

[5]  لمياء الغاز، القطاع غير المهيكل: الخصائص الرئيسية ووتيرة، مختصرات المندوبية السامية للتخطيط، عدد 16، 2 مارس 2021، ص 1.

[6] تقرير أنشطة هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، الرباط، 2019، ص 28.

[7] Impact social & économique de la crise du covid-19 au Maroc, haut-commissariat au plan, système des nations unies au Maroc et banque mondiale, 2020, p.6.

[8] نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لعيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020، شوهد في 18 أبريل 2021، في: https://bit.ly/3CcEdMB

[9] نص الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة، شوهد في 18 أبريل 2021، في: https://bit.ly/3BgE3SW

[10] المادة 2 من القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية الصادر بتنفيذه الظهير شريف رقم 1.21.30 الصادر في 9 شعبان 1442 (23 مارس 2021)، جريدة رسمية عدد 6975-22 شعبان 1442(5 أبريل 2021).

[11]  تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب مشروع القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الدورة الاستثنائية برسم السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة 2021، ص 17.

[12] تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة، إنجازات العمل الحكومي 2017-2021، رئيس الحكومة، 2021، ص 11.

[13] الملاءمة ومدى توافق برامج الحماية وسياسات الدعم الاجتماعي، مركز الدراسات والبحوث في الشؤون البرلمانية، مجلس المستشارين، 2019، ص.15.

[14]  تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية، مرجع سابق، ص 5.

[15] المادة 272 من قانون المالية رقم 65.20 للسنة المالية 2021 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.90 الصادر في فاتح جمادى الأولى (16 ديسمبر 2020)، جريدة رسمية عدد 6944 مكرر-3 جمادى الأولى 1442 (18 ديسمبر 2020).

[16] عرض وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة أمام مجلس النواب بمناسبة التصويت على مشروع القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، 15 مارس 2021، ص 5، شوهد في 2 ماي 2021 في: https://bit.ly/3c4a8nq

[17] تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمنظومة الصحية، مجلس النواب، أبريل 2021، ص 117.

[18] مشروع الحماية الاجتماعية للاستجابة الطارئة لمواجهة جائحة فيروس كورونا في المغرب، البنك الدولي، 2020، ص 6-7.

[19] Mario Györi, Fábio Veras Soares Et Alexis Lefèvre, tayssir : le premier programme de transferts monétaires conditionnels de la région mena, la revue policy in focus, volume 14, numéro 3, 2017, p.67.

[20]  قاعدة معطيات ستخصص لتسجيل الأسر المؤهلة للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي التي تشرف عليها الإدارات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية.

[21] المادة 25 من القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.77 في 18 من ذي الحجة 1441 (8 أغسطس 2020). جريدة رسمية عدد 6908 بتاريخ 23 ذو الحجة 1441(13 أغسطس 2020).

[22]  النظام الموحد للتعريف “أدهار” قاعدة بيانات إلكترونية تم إرسائها بالهند سنة 2009 تضم معلومات بيوميترية حول المواطنين من حيث المعطيات الشخصية والوضعية السوسيواقتصادية، كأساس لاستهداف المعنيين بالبرامج الاجتماعية.

[23] Christophe Jaffrelot Et Nicolas Belorgey, l’identification biométrique de 1,3 milliard d’indiens milieux d’affaires, état et société civile, les études du CERI – n° 251, 2020, p.34.

[24] ماكس غالين، فهم الاقتصادات غير الرسمية في شمال إفريقيا: من القانون والنظام إلى العدالة الاجتماعية، مؤسسة فريدريش إيبرت، تونس، 2018، ص 3.

[25] النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، أبريل 2021، ص 82.

[26] الحماية الاجتماعية في المغرب واقع الحال، الحصيلة وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة ذاتية رقم 2018/34، ص 15.

عبد الرفيع زعنون

باحث في القانون العام والعلوم السياسية، له مشاركات في العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية وفي عدة مجلات محكمة وكتب جماعية، صدر له كتاب "تدبير التنمية الترابية بالمغرب: دراسة مقارنة"، كما ساهم في تأطير تكوينات متخصصة لفائدة الطلبة الباحثين والفاعلين المدنيين ومنتخبي وموظفي الجماعات الترابية.


اترك تعليقاً

Leave a Reply

Your email adress will not be published. Required fields are marked *

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. يتم وضع علامة على الحقول المطلوبة *


المعهد المغربي لتحليل السياسات

المعهد مؤسسة غير ربحية تعنى بالسياسات العامة وتتخذ من الرباط، المغرب، مقراً لها. يرمي المعهد إلى إجراء أبحاث معمقة حول مختلف الإشكالات المتعلقة بالسياسات العامة من خلال  طرح أفكار جديدة لحل المشاكل التي تواجه المجتمع على صعيد الديموقراطية والتنمية.



القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشورات المعهد من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ينظمها المعهد، المرجو التسجيل في القائمة البريدية.